الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  تأويل قول الله تعالى : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) الآية

                  قال الله - عز وجل - : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) ، فكان هذا من المتشابه المحتمل للتأويل ، لأنه يحتمل أن يكون أريد بالسعي سرعة المشي والعدو ، ويحتمل أن يكون أريد به السعي بالقلوب والأعمال ، لا على الأقدام ، أي : يخلص بالسعي إليها حتى لا يكون في ذلك ما يخالطه من غيرها ، فنظرنا في ذلك فوجدنا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قد نهى عن السعي والعدو في إتيان الصلاة ، فمن ذلك ما :

                  223 - حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، قال : حدثنا مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .

                  224 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، وإسحاق بن عبد الله ، أنهما سمعا أبا هريرة يحدث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله وزاد : " فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة .

                  225 - حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها تمشون عليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فاقضوا " .

                  226 - حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس - رضي الله عنه - ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إذا جاء [ ص: 150 ] أحدكم فليمش على هيئته ، فليصل ما أدرك ، وليقض ما سبق به " .

                  فمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآثار من السعي إلى الصلاة بسرعة المشي والعدو ، فعلمنا بذلك أن السعي المراد في الآية التي تلونا غير السعي الذي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فعله في إتيان الصلاة التي عم بها سائر الصلوات .

                  ثم وجدنا عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتلو مكان السعي في هذه الآية المضي ، منهم عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما .

                  227 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني سالم ، أن عبد الله بن عمر ، قال : " لقد توفى الله عمر بن الخطاب وما يقرأ هذه الآية إلا : " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله " .

                  228 - حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، قال : " لو قرأتها : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) ، لسعيت حتى يسقط ردائي " .

                  وهذا من ابن مسعود على التكثر من الله - عز وجل - ، أراد بذلك السعي الذي ذكرنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النهي عنه ولا كنا لا نقرأها إلا على ما وجدنا في مصاحفنا الذي قامت به الحجة ، عليها أئمتنا رضوان الله عليهم .

                  ومعنى السعي المأمور به فيها عندنا هو الإخلاص ، وقد ذكر الله - عز وجل - السعي في غير هذا الموضع ، قال الله - عز وجل - : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) ، وقال - عز وجل - : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ) ، وقال - عز وجل - : ( وأما من جاءك يسعى وهو يخشى ) ، وقال - عز وجل - : ( ثم أدبر يسعى فحشر فنادى ) ، وقال - عز وجل - : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) [ ص: 151 ] .

                  فلم يكن مراده - عز وجل - في شيء من ذلك السعي المنهي عن إتيان الصلوات عليه من السرعة في المشي والعدو ، بل كان على ما سوى ذلك من الإرادات بالقلوب ، بالسعي المذكور في الآية التي تلوناها هو هذا السعي ، والله أعلم .

                  وكذلك نأمر الذي يأتي للصلاة بالمشي على هيئته لا يأتيها وقد حصره النفس الذي شغله عنها ، وتقطعت عما أمر به فيها ، وهذا قول مالك ، وأبي حنيفة ، والثوري ، وأبي يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، وسائر أهل العلم سواهم .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية