الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  واختلفوا فيمن ملك عشرة مثاقيل من الذهب ومائة درهم من الورق ، وحال على ذلك في مدة الحول كم يساوي من الذهب ؟ فإن بلغت قيمتها عشرة دنانير أو أكثر ضم القيمة وهي عشرة دنانير أو أكثر إلى العشرة العين الذي في يده ، فزكى عن عشرين مثقالا وعنها وعن زيادة إن كانت على العشرين المثقال ، كما يزكي عن الذهب لو كانت كلها ذهبا ، وإن قصرت قيمتها عن عشرة دنانير نظر إلى قيمة العشرة الدنانير من الورق فضم قيمتها من الورق إلى المائة درهم التي في يده ، وزكى عن ذلك كله كما يزكي عنه لو كان ورقا كله . وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة ، وسفيان حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن سفيان بهذا القول أيضا .

                  وكذلك قال أبو حنيفة ، وسفيان ، فيما قل من الدنانير ومن الدراهم ، وفيما كثر منها يقوم كل واحد منهما بصاحبه ، ثم يزكي عن أوفرهما زكاة كما حكيناه عنهم في المائة الدرهم والعشرة الدنانير .

                  وقال قائلون منهم : لا زكاة في ذلك حتى يتكامل من أحدهما ما تجب فيه الزكاة ، وممن قال بذلك : ابن أبي ليلى ، والشافعي [ ص: 288 ] .

                  وقال قائلون منهم : لا ينظر في ذلك إلى قيمة الذهب ، ولا إلى قيمة الورق ، ولكن ينظر إلى أجزائه ، فإن كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم كان قد صار عنده نصف كل واحد من المالين اللذين تجب فيهما الزكاة ، فيقوم ذلك مقام مال كامل فتجب على من ذلك في يده الزكاة منه من كل واحد من الصنفين ربع عشره ، وكذلك إن كان عنده مائة درهم ، وخمسون درهما من الورق ، وخمسة مثاقيل من الذهب ، أو خمسون درهما من الورق وخمسة عشر مثقالا من الذهب ، فقد صار عنده من أحد المائتين ثلاثة أرباعه ، ومن الآخر إذا ربعه ، فتكاملت الأجزاء ، فوجب في ذلك الزكاة عليه .

                  ولو كان عنده خمسون درهما من الورق وأربعة عشر مثقالا من الذهب لم تجب عليه زكاة ، لأنه إنما معه ربع أحد المالين ، وأقل من ثلاثة أرباع المال الآخر ، فلم تتكامل الأجزاء فلا شيء فيه . وممن قال بذلك منهم : أبو يوسف ، ومحمد ، وقالا : لا يقوم ذهب بفضة ، ولا فضة بذهب ، ولا يرد أحدهما إلى صاحبه بقيمة ، وإنما يرد إليهما غيرهما مما سواهما .

                  حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، وعن محمد بهذا القول .

                  قال أبو يوسف : وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول بقولنا هذا زمانا ، ثم رجع عنه إلى القول الذي حكيناه عنه ، وكان قول مالك في ذلك كقول أبي يوسف ، ومحمد فيه .

                  وقد روي عن المتقدمين في هذا الباب ما يوافق ما ذهب إليه الذين جعلوا في الذهب مع الورق الصدقة ، غير أنا لا ندري أكان مذهبهم في ذلك كمذهب أبي حنيفة الأول أو كمذهبه الآخر فيه ؟

                  573 - حدثنا يحيى ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، وقتادة ، في رجل له مائة درهم وعشرة دنانير ، قالا : " عليه في العشرة الدنانير والمائة درهم صدقتها " .

                  574 - حدثنا يحيى ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا ابن لهيعة ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، أنه سمع بكير بن عبد الله ، يقول : إن " من السنة أن يجمع بين الذهب والورق في الزكاة " . [ ص: 289 ] ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما أجمعوا عليه من أشكاله لنعطف عليه هذا المختلف فيه ، فوجدنا العروض التي للتجارات إذا بيعت بذهب ، ثم أبيع به عرض للتجارة ، ثم بيع بورق ، ثم حال الحول أنه يزكي إذا حال عليه الحول من ذلك ويعتد بذلك كله الحول واحد ، وإن كان المال قد صار في بعض الحول ورقا ، وصار في بعضه ذهبا ، وصار في بعضه عرضا يقوما بورق ، أو بذهب فجمعت أحكام ذلك كله وجعلت كصنف واحد مما تجب فيه الزكاة حال عليه الحول أو لم يحل ، ولم يجعل ذلك كالمواشي .

                  ألا ترى أن رجلا لو كانت عنده خمس من الإبل سائمة ، فلما مضى بعض الحول باعها بورق أو بذهب ، ثم ابتاع به إبلا سائمة أو باع الإبل السائمة بإبل سائمة ، أنه يستأنف بها حولا جديدا ، وأنه يسلك بالذهب والفضة والعروض التي للتجارات هذا المسلك ، وجعل حولها كلها حولا واحدا ، وإن كان الملك قد صار فيه أجناسا إذ كانت تلك الأجناس مردودة إلى الورق وإلى الذهب ، لا إلى أنفسها . فلما كان المردود إلى الذهب وإلى الورق حكمه حكما واحدا ، لا حكمين مختلفين ، ولم يجعل كل واحد من الورق ومن الذهب والورق خلاف صاحبه كما جعل في المواشي ، فجعل حكم الإبل منها غير حكم الغنم والبقر في حولها . ثبت بذلك أن حكم الورق والذهب في حكم الواحد أيضا في ضم كل واحد منهما إلى صاحبه لا في حكم الجنسين المختلفين اللذين لا يضم كل واحد منهما إلى صاحبه في قول عمر - رضي الله عنه - لحماس : " قوم مالك ثم زكه " بعد علمه أن ذلك المال يتحول في الحول من الدراهم إلى الدنانير ومن الدنانير إلى الدراهم ، ومن بعض العروض إلى بعض ، فلم يلتفت عمر إلى ذلك على استواء حكم الذهب والورق وعروض للتجارات ، وأنها جميعا كالجنس الواحد من أصول الزكوات لا كالجنسين المختلفين منها ، والله أعلم .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية