الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا أبان ) بفتح الهمزة ، وتخفيف الموحدة ( بن زيد عن قتادة عن شهر بن حوشب ، عن أبي عبيد ) بالتصغير بلا تاء ، وهو مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، واسمه كنيته ، وله حديث ذكره ميرك ( قال : طبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرا ) بكسر أوله أي شاة أو لحما في قدر ، فذكر القدر ، وأراد ما فيه مجازا ، بذكر المحل ، وإرادة الحال ، ثم ما قدرناه أولى من قول ابن حجر ، أي طعاما في قدر ، ( وكان يعجبه الذراع فناولته ) أي أعطيته ( الذراع ) ظاهر السياق أنه لم يطلبه أول مرة ، وإنما ناوله بلا طلب ; لعلمه بأنه يعجبه ( ثم قال : ناولني الذراع فناولته ) أي الذراع فالمفعول الثاني هنا محذوف ( ثم قال : ناولني الذراع ، فقلت : يا رسول الله وكم للشاة من ذراع ) الواو لمجرد الربط بين الكلامين أو للعطف على مقدر أي ناولتك الذراعين ، وكم للشاة من ذراع ، حتى أناولك ثالثا ، والظاهر أنه استفهام أو تعجب لا إنكار ; لأنه لا يليق بهذا المقام ( فقال والذي نفسي بيده ) أي بقوته وقدرته وإرادته ، وهذا من أحاديث الصفات وآياتها ، وفيها المذهبان المشهوران : التأويل إجمالا ، وهو تنزيه الله تعالى عن ظواهرها ، وتفويض التفصيل إليه سبحانه وتعالى ، وهو مذهب أكثر السلف ، والتأويل تفصيلا ، وهو مختار أكثر الخلف ، وفي الحقيقة لا خلاف بين الفريقين ، فإنهم اتفقوا على التأويل ، وإنما اختار السلف عدم التفصيل ; لأنهم لم يضطروا إليه لقلة أهل البدع والأهواء في زمانهم وآثر [ ص: 265 ] الخلف التفصيل ; لكثرة أولئك في زمانهم ، وعدم إقناعهم بالتنزيه المجرد ; ولذا زل في هذا المقام قدم جماعة من الحنابلة وغيرهم ، نسأل الله العافية ( لو سكت ) أي عما قلت من الاستبعاد ، وامتثلت أمري في مناولة المزاد ( لناولتني الذراع ) أي واحدا بعد واحد ( ما دعوت ) أي مدة ما طلبت الذراع ; لأن الله سبحانه وتعالى كان يخلق فيها ذراعا بعد ذراع معجزة وكرامة له صلى الله عليه وسلم ، وشرف وكرم .

قيل : وإنما منع كلامه تلك المعجزة ; لأنه شغل النبي صلى الله عليه وسلم عن التوجه إلى ربه ، بالتوجه إليه ، أو إلى جواب سؤاله ، فإن الغالب أن خارق العادة ، يكون في حالة الفناء للأنبياء والأولياء ، وعدم الشعور عن السواء ، حتى في تلك الحالة لا يعرفون أنفسهم ، فكيف في حال غيرهم ، وهذا معنى الحديث القدسي ، أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري .

وإليه الإشارة فيما ورد من الحديث النبوي ، لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ، ولا نبي مرسل .

هذا وقد روى الحديث أحمد عن أبي رافع أيضا ولفظه : أنه أهديت له شاة فجعلها في قدر ، فدخل صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذا قال : شاة أهديت لنا ، قال : ناولني الذراع فناولته ، ثم قال : ناولني الذراع الآخر فناولته ، فقال : ناولني الذراع الآخر ، فقلت : يا رسول الله إنما للشاة ذراعان ، فقال صلى الله عليه وسلم : أما إنك لو سكت لناولتني ذراعا فذراعا ما سكت ، الحديث . والظاهر أن القضية متعددة .

التالي السابق


الخدمات العلمية