الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا سويد بن نصر أخبرنا ) : وفي نسخة " ثنا " . ( عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد ) : أي الأيلي بفتح همزة وسكون تحتية ، أخرج حديثه الأئمة . ( عن الزهري ) : وهو ابن شهاب ، إمام جليل ، وقد سبق ذكره . ( أخبرنا عبيد الله ) : بالتصغير . ( بن عبد الله ) : بالتكبير . ( بن عتبة ) : بضم مهملة وسكون فوقية ثم موحدة ، فقيه ، ثبت ، أخرج حديثه الأئمة ، وأبوه أيضا من أعيان العلماء والراسخين تابعي كبير ، وجده عتبة أخو عبد الله بن مسعود . ( عن ابن عباس ) : كذا وصله يونس ووافقه إبراهيم بن سعد عند البخاري ، واختلف على معمر في وصله وإرساله ، قال عبد الرزاق : أنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . فذكره مرسلا ، وكذا أرسله مالك حيث أخرجه في الموطأ عن زياد بن سعيد عن الزهري ، ولم يذكر من فوقه . ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل ) : أي يرسل ، قال ميرك : هو بفتح التحتية وسكون السين وكسر الدال المهملتين ، ويجوز ضم الدال ، أي : يترك شعر ناصيته على جبهته . ( شعره ) : أي على جبينه ، قال النووي : قال العلماء : المراد إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة أي بضم القاف بعدها مهملة ، انتهى . وقيل : سدل الشعر إذا أرسله ولم يضم جوانبه ، وقيل : السدل أن يرسل الشخص شعره من ورائه ولا يجعله فرقتين ، والفرق أن يجعله فرقتين كل فرقة ذؤابة وهو المناسب للمقابلة بقوله : ( وكان المشركون يفرقون ) : بسكون الفاء وضم الراء وكسرها ، وروي من التفريق . ( رءوسهم ) : أي شعورها ، أي يفرقون بعضه من بعض ويكشفونه عن جبينهم ، وقال العسقلاني : الفرق قسمة الشعر ، والمفرق وسط الرأس وأصله من الفرق بين الشيئين . ( وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم ) : أي شعرها . ( وكان ) : أي هو صلى الله عليه وسلم . ( يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ) : أي من أمر ونهي ، وهو إما [ ص: 97 ] لمناسبة قرب الجنسية في مشاركة التوحيد والنبوة وسائر القواعد الحنيفية ، وإما لإرادة الفهم وتقريبهم إلى الحق فإنهم أقرب إلى الإيمان ، فهم بالألفة أحق وأليق ، قال ميرك : فإن أهل الكتاب كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل ، فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عبدة الأوثان . واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يجئ في شرعنا بما يخالفه ، وعكسه بعضهم واستدل به على أنه ليس بشرع لنا لأنه لو كان كذلك لم يقل " يحب " بل كان يتحتم الاتباع . والحق أنه لا دليل في هذه المسألة ; لأن القائل به يقصره على ما ورد في شرعنا أنه شرع لهم لا ما يؤخذ عنهم إذ لا توثيق بنقلهم ، قال النووي : اختلفوا في تأويل موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء فقيل : فعله ائتلافا لهم في أول الإسلام وموافقة لهم على مخالفة عبدة الأوثان ، فلما أغناه الله تعالى عن ذلك وأظهر الإسلام خالفهم في أمور كصبغ الشيب وغير ذلك ، انتهى . حيث ورد أن أهل الكتاب لا يصبغون فخالفوهم ، ومنها صوم يوم عاشوراء ، ثم أمر بنوع مخالفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده ، ومنها استقبال القبلة ، ومخالفتهم في مخالطة الحائض ، ومنها النهي عن صوم يوم السبت ، وقد جاء ذلك من طرق متعددة في النسائي وغيره ، وصرح أبو داود بأنه المنسوخ ، وناسخه حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد يتحرى ذلك ويقول : " إنهما يوما عيد الكفار وأنا أحب أن أخالفهم " . وفي لفظ : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صيامه يوم السبت والأحد . أخرجه أحمد والنسائي ، وأشار بقوله : " يوما عيد " أن السبت عيد اليهود ، والأحد عيد النصارى . وقال آخرون : يحتمل أنه أمر باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه بشيء ، وعلم أنهم لم يبدلوه . ( ثم فرق ) : بالتخفيف ويشدد . ( رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ) : أي شعره بأن ألقى شعر رأسه إلى جانبيه ولم يترك منه شيئا على جبهته ، قالوا : والفرق سنة لأنه الذي رجع إليه صلى الله عليه وسلم . والظاهر أنه إنما رجع إليه بوحي لقوله : " ما لم يؤمر فيه بشيء " . وقال القاضي عياض : نسخ السدل فلا يجوز فعله ولا اتخاذ الناصية والجمة ، قال : ويحتمل أن المراد جواز الفرق لا وجوبه ، ويحتمل أن الفرق كان اجتهادا في مخالفة أهل الكتاب لا بوحي ، فيكون الفرق مستحبا ، انتهى . ولعل حكمة عدوله عن موافقة أهل الكتاب هنا أن الفرق أقرب إلى النظافة وأبعد عن الإسراف في غسله وعن مشابهة النساء ، قال ابن حجر : ومن ثم كان الذي يتجه أن محل جواز السدل حيث لم يقصد به التشبه بالنساء وإلا حرم من غير نزاع ، انتهى . ويؤيد جواز السدل ما روي أن من الصحابة من يسدل ومنهم من يفرق ، ولم يعب بعضهم على بعض ، فلو كان الفرق واجبا لما سدلوا بعد ذلك ، وقال القرطبي : إنه مستحب ، وحكي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك والجمهور ، وذكر النووي : الصحيح جوازه . قال ابن حجر : [ ص: 98 ] وزعم نسخه يحتاج لبيان ناسخه وأنه متأخر عن المنسوخ ، وفيه أن الحديث يدل على المتأخر . نعم ، قالالقرطبي : أما توهم النسخ فليس بشيء لإمكان الجمع ، لكن العسقلاني قال : جزم الحازمي أن السدل نسخ بالفرق ، واستدل برواية معمر عن الزهري عن عبد الله بلفظ " ثم أمر بالفرق " ، وكان الفرق آخر الأمرين ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ، وهو ظاهر والله أعلم ، وقد روى ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة قالت : أنا فرقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه عن يافوخه . ومن طريقه أخرجه أبو داود : إذا فرقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه صدعت فرقة عن يافوخه وأرسلت ناصيته بين عينيه . قال بعض شراح الحديث : اليافوخ مؤخر الرأس مما يلي القفا ، يعني : أحد طرفي ذلك الخط عند اليافوخ والطرف الآخر عند جبهته محازيا لما بين عينيه ليكون نصف الشعر من يمين ذلك الفرق ونصفه من يساره . وقال الشارح زين العرب : الفرق بسكون الراء ، الخط الظاهر من شعر الرأس إذا قسم نصفين ، وذلك الخط بياض بشرة الرأس الذي يكون بين شعر الرأس .

التالي السابق


الخدمات العلمية