الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

نظرات في مسيرة العمل الإسلامي

عمر عبيد حسنة

مجموعة حقائق

ونرى أن مجموعة من الحقائق لا بد من تسجيلها ابتداء وقبل الانتهاء إلى تلك الإضاءات التي كنا وعدنا بها، والتي من أجلها كانت القراءة لهذه السرية، التي نأمل من خلالها أن نكشف كثيرا من جوانب المأساة التي يعاني منها مسلم اليوم، ونأخذ بيده قدر المستطاع لسلوك طريق الرشاد.

* أولى هـذه الحقائق: أن القرآن خالد، مجرد عن حدود الزمان والمكان، وأنه منهج النبوة الأخير للبشرية، وهذه مدلولاتها تعني: أن القرآن قادر على العطاء دائما وأن معينه لا ينفد، ونظن أن ذلك ليس محل شك أو مماراة، عقيدة على الأقل بالنسبة لأي مسلم يدرك أبعاد إسلامه وحدود إيمانه، لكن يبقى الأمر المطروح إلى أي مدى استطاع مسلم اليوم أن يترجم هـذه العقيدة إلى واقع، ويحقق الرؤية القرآنية في حياته وفي نظرته للأمور وحكمه عليها وتعامله معها بكل شمولها وخصبها وعطائها وتفسيرها للحياة وتحديدها لمسارها وبيانها للقوانين [ ص: 93 ] والسنن التي تنتظمها أو يصطبغ فعلا بها سلوكه: لتحقق لديه ملكة الفرقان، التي أخبرنا الله بها كثمرة للتقوى ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانـا ) (الأنفال: 29) .

والذي نراه عند أكثر المسلمين اليوم، أن قضية الاعتقاد بخلود القرآن والانتصار لها لا يخرج بمجموعه عن الاقتصار على الموقف العاطفي الذي لا يحدث الأثر المطلوب في سلوكنا، والتغيير المشروع في حياتنا، والرؤية القرآنية الشاملة لقضايانا، ولئن كان بعض المسلمين اليوم مصابا بالعجز عن تمثل خلود القرآن، وأن خلوده لا يعني عند كثير منهم أكثر من استمرار تلاوته، والتبرك به. فهذا لا يغير شيئا من حقيقة الأمر، إذا اقتصرنا عليه.

* الحقيقة الثانية: أنه لا بد لنا حتى ندرك الرؤية القرآنية بشكل واضح وسليم من بيان الموحى إليه من ربه، الذي أنيطت به مهمة البيان.. قال تعالى:

( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) (النحل: 44) والالتزام بحدود هـذا البيان، الذي يشكل بمجموعه السنة الصحيحة والسيرة العملية.. ومن هـنا يمكننا القول بخلود السنة الصحيحة والسيرة العملية. وأن هـذا البيان وهذه التطبيقات لا بد منها لمعرفة الأبعاد العلمية للرؤية القرآنية.

* الحقيقة الثالثة: أن السنة الصحيحة والسيرة العملية إلى جانب الكتاب هـي الحاكم وهي المقياس والمعيار الذي به تقوم الأمور، وأعمال العباد وتصرفاتهم محكوم عليها. وبالتالي فعلى الرغم من الإسقاطات التي يمكن أن تتم للحاضر، من خلال الحادثة التاريخية وعلى الرغم من تعدية الرؤية القرآنية وتحقيق شمولها لأحداث الحاضر، وعملية المقايسة التي يمكن أن تصيب كما يمكن أن تخطئ. يبقى للسيرة تفردها وللصحابة تميزهم وخصائصهم، كجيل فريد كانت حياتهم هـي الأوعية الشرعية التطبيقية لمدلولات الخطاب القرآني.. وعملية المقايسة والإسقاط التاريخي إنما تكون لإضاءة الطريق وإغناء التصور ليستقيم التطبيق، وبالتالي فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تأخذ الحادثة الحاضرة مهما بلغت عملية المقايسة من الدقة مكانة ومنزلة أحداث السيرة وحياة الصحابة فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال قبيل معركة بدر حين رأي قريشا بخيلائها ومعاداتها لله ورسوله: ( اللهم إن تهلك هـذه العصابة فلن تعبد في الأرض ) أمر خاص بالبدريين مهما اشتدت الأحوال واحلولكت الظروف بالنسبة لأية جماعة من الجماعات أو مجتمع من المجتمعات الإسلامية بعد قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ) (المائدة: 3) [ ص: 94 ] وقوله: ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) (المائدة: 3) لذلك فإعطاء بعد السيرة ومنزلتها لأي جماعة من الجماعات في تصرفاتها خطأ عقيدي وتاريخي وحضاري لا بد من التنبيه عليه، فالمقاس لا يقاس عليه هـنا.

* الحقيقة الرابعة: أن محل القدوة والأسوة، والمثل الأعلى هـو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك لأحد من بعده مهما علا شأنه وعظمت مكانته، لوجود العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولأن البشر خطاءون، وإنما يقتربون من المثل الأعلى ويبتعدون عنه، بمقدار ما يؤتى كل منهم من خير وحكمة وبصيرة نافذة.. وعلى ذلك يبقى للمثل الأعلى عصمته ومكانته ويكون لنا خطؤنا وصوابنا وقربنا من ذلك المثل وبعدنا بمقدار ما يحالفنا التوفيق من الله ويتوفر لنا الإدراك والفقه..

* الحقيقة الخامسة: إن أسباب النزول هـي عبارة عن وسائل معينة، وأضواء كاشفة، لكيفية تنزل النص القرآني، على الواقعة التاريخية، وإدراك أبعاد الصور التطبيقية لمدلولات الخطاب، حتى يمكن لنا بعد ذلك المقايسة والتعدية ومد الرؤية القرآنية وإعطاء الحكم الشرعي للأحداث المتجددة، ولا يمكن أن نتصور أن النص القرآني مقتصر عليها ولا يتعداها إلى غيرها من الوقائع المماثلة لأن ذلك يقضي على حقيقة الخلود، والقدرة على العطاء المستمر، لذلك لا يمكن اعتبار أسباب النزول من السدود والقيود للنص خاصة وأن القرآن أكد على ضرورة الاعتبار لأولي الأبصار، وأن العبرة -عند علماء الأصول- بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

التالي السابق


الخدمات العلمية