الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6046 ص: ففي هذه الآثار إباحة كسب الحجام، فاحتمل أن يكون ذلك تأخر عن النهي الذي ذكرناه، أو تقدمه.

                                                فنظرنا في ذلك فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن يوسف.

                                                6047 وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث ، قالا: ثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن عفير الأنصاري ، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري ، عن محيصة بن مسعود الأنصاري: " أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع أبو طيبة، فانطلق إلى رسول الله -عليه السلام- يسأله عن خراجه، فقال: لا تقربه، فردد على رسول الله -عليه السلام-، فقال: اعلف به الناضح، اجعلوه في كرشه". .

                                                6048 حدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا عمر بن يونس ، قال: ثنا عكرمة بن عمار ، قال: ثنا طارق بن عبد الرحمن: " أن رفاعة بن رافع - أو رافع بن رفاعة الشك منهم- جاء إلى مجلس الأنصار، ، فقال: نهى رسول الله -عليه السلام- عن كسب الحجام، وأمرنا أن نطعمه ناضحنا". .

                                                [ ص: 380 ] 6049 حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث ، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعد بن محيصة ، عن محيصة رجل من بني حارثة كان له حجام، واسم الرجل محيصة: "سأل رسول الله -عليه السلام- عن ذلك فنهاه أن يأكل كسبه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، فلم يزل يراجعه حتى قال له رسول الله -عليه السلام-: اعلف كسبه ناضحك، ، وأطعمه رقيقك". .

                                                6051 حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس ، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعد بن محيصة الحارثي ، عن أبيه: " أنه سأل رسول الله -عليه السلام-...." ثم ذكر مثله.

                                                6052 حدثنا سليمان بن شعيب ، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب... فذكر بإسناده مثله.

                                                6053 حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا أخبره، عن ابن شهاب ، عن حرام بن محيصة، حدثني حارثة ، عن أبيه... فذكر مثله.

                                                فدل ما ذكرنا أن ما كان من رسول الله -عليه السلام- من الإباحة في هذا إنما كان بعد نهيه عنه نهيا مطلقا، على ما في الآثار الأول، وفي إباحة النبي -عليه السلام- أن يطعمه الرقيق والناضح دليل على أنه ليس بحرام، ألا ترى أن المال الحرام الذي لا يحل للرجل كله لا يحل له أيضا أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه؟ ؛ لأن رسول الله -عليه السلام- قد قال في الرقيق: "أطعموهم مما تأكلون"، فلما ثبت إباحة النبي -عليه السلام- لمحيصة أن يعلف ذلك ناضحه، ، ويطعم رقيقه من كسب حجامه، دل ذلك على نسخ ما كان تقدم من نهيه عن ذلك، وثبت حل ذلك لغيره، وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد، ، وهذا هو النظر أيضا عندنا؛ لأنا قد رأينا الرجل يستأجر الرجل ليفصد له عرقا أو يبزغ له حمارا فيكون ذلك جائزا، والاستئجار على ذلك جائزا، والحجامة أيضا كذلك.

                                                [ ص: 381 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 381 ] ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث المذكورة -يعني الأحاديث المذكورة تدل على إباحة كسب الحجام، ولكن يحتمل أن تكون متأخرة عن النهي الوارد فيه أو متقدمة، فنظرنا في ذلك فوجدنا أحاديث تدل على أن ما كان من الإباحة فيه إنما كان بعد نهيه نهيا مطلقا، فثبت أن أحاديث النهي منسوخة والقياس أيضا يشهد بإباحته، أشار إليه بقوله: "لأنا قد رأينا الرجل يستأجر الرجل...إلى آخره".

                                                قوله: "أو يبزغ له حمارا" من البزغ بالباء الموحدة والزاي والغين المعجمة، وهو الشرط بالشرط، وهو المبزغ، وبزغ دمه: أي أساله.

                                                أما الأحاديث الدالة على تأخر الإباحة عن النهي؛ فأخرجها من وجوه ستة: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري ، عن عبد الله بن يوسف التنيسي -شيخ البخاري- وعن ربيع بن سليمان المؤذن -صاحب الشافعي- عن شعيب بن الليث، كلاهما -أعني عبد الله وشعيبا- عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري ، عن سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري ، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الحارثي الأوسي ، عن محيصة بن مسعود الأنصاري الصحابي، وهذا إسناد صحيح.

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه": من حديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ...إلى آخره نحوه.

                                                قوله: "يقال له نافع" بالنون والفاء، ويقال: اسمه دينار، ويقال: ميسرة، وكنيته: أبو طيبة بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة.

                                                قوله: "اعلف به الناضح" قد ذكرنا أنه واحدة النواضح، وهي الإبل التي يستقى عليها.

                                                [ ص: 382 ] قوله: "في كرشه" الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان، تؤنثها العرب، وفيها لغتان: كرش وكرش، مثل كبد وكبد.

                                                الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي ، عن عكرمة بن عمار اليمامي ، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي ، عن رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة ...إلى آخره.

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا هاشم بن القاسم: ثنا عكرمة -يعني ابن عمار-: حدثني طارق بن عبد الرحمن القرشي، قال: جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار، فقال: "لقد نهانا رسول الله -عليه السلام- عن شيء كان يرفق بنا، نهانا عن كراء الأرض، ونهانا عن كسب الحجام، وأمرنا أن نطعمه نواضحنا، ونهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصابعه: نحو الخبز والغزل والنقش".

                                                وهذا كما رأيته قد أخرجه أحمد عن رافع بن رفاعة بلا شك.

                                                وفي رواية الطحاوي بالشك، رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة، فهو صحابي بلا خلاف، وهو ممن شهد بدرا، وأبوه أيضا صحابي بدري، وكان نقيبا يومئذ.

                                                وأما رافع بن رفاعة، فقد قال أبو عمر بن عبد البر: لا تصح صحبته.

                                                والحديث المروي في كسب الحجام في إسناده غلط، ولكن رواية أحمد والطحاوي تدل على أن له صحبة، والله أعلم.

                                                والثالث: عن فهد بن سليمان ، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري ، عن الليث بن سعد ، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أمير مصر لهشام بن عبد الملك مولى الليث بن سعد من فوق، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن حرام - ضد حلال - ابن سعد بن محيصة الأنصاري ، عن جده محيصة بن مسعود رجل من بني حارثة.

                                                وهذا إسناد صحيح متصل؛ لأن حرام بن سعد أدرك جده وروى عنه، وجده صحابي كما ذكرنا غير مرة.

                                                [ ص: 383 ] الرابع: عن إسماعيل بن يحيى المزني ، عن الإمام الشافعي ، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار المدني ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن حرام بن سعد بن محيصة الحارثي ، عن أبيه أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

                                                وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولكن فيه نظر وقد نسب إلى الغلط، وذلك لأن أبا حرام ليس له صحبة، ولا حرام له صحبة، وإنما الصحبة لمحيصة فقط الذي هو جد حرام، فالحديث في الحقيقة مرسل وليس بمتصل؛ فافهم.

                                                وكذا أخرجه أحمد في "مسنده": ثنا يزيد، أنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن حرام بن سعد بن محيصة ، عن أبيه: "أنه سأل النبي -عليه السلام- عن كسب الحجام، فنهاه عنه، فذكر له حاجة، فقال: اعلفه نواضحك".

                                                وأخرجه الطبراني متصلا على سنن الصواب: ثنا محمد بن علي الصائغ المكي، نا حسن بن علي الحلواني، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن حرام بن ساعدة بن محيصة بن مسعود ، عن أبيه، عن جده محيصة قال: "كان لي غلام حجام يقال له: أبو طيبة، فكسب كسبا كثيرا، فلما نهى رسول الله -عليه السلام- عن كسب الحجام، استرخص رسول الله -عليه السلام- فأبى عليه، فلم يزل يكلمه ويذكر له الحاجة حتى قال له: ألق كسبه في باطن ناضحك".

                                                الخامس: عن سليمان بن شعيب الكيساني ، عن أسد بن موسى ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن حرام بن سعد ، عن أبيه أنه سأل رسول الله -عليه السلام-.

                                                وهذا إسناد أيضا مثل ما قبله.

                                                [ ص: 384 ] السادس: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن حرام بن محيصة ، عن أبيه، أنه سأل رسول الله -عليه السلام-.

                                                هذا أيضا مثل ما قبله.

                                                وأخرجه مالك في "موطئه": عن ابن شهاب ، عن ابن محيصة ، عن أبيه، هذا في رواية ابن وهب ومطرف وابن بكير وابن نافع والقعنبي .

                                                وفي رواية يحيى بن يحيى: عن مالك عن ابن شهاب ، عن ابن محيصة الأنصاري، حدثني حارثة: "أنه استأذن رسول الله -عليه السلام- في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل به يستأذنه ويسأله حتى قال له: "اعلفه نضاحك" يعني رقيقك".

                                                وقال أبو عمر: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: "عن ابن محيصة أنه استأذن رسول الله" وتابعه على ذلك ابن القاسم، وذلك من الغلط الذي لا إشكال فيه عند أهل العلم، وليس لسعد بن محيصة صحبة. فكيف لابنه حرام، وهذا كله مرسل في رواية مالك .

                                                وقال أيضا: قال القعنبي في هذا الحديث: "اعلفه ناضحك ورقيقك"، وهو يشبه رواية يحيى، وقال ابن بكير: "نضاحك"، وقال ابن القاسم في تفسير النضاح: الرقيق، قال: ويكون في الإبل.

                                                وقال الليث وغيره من أصحاب ابن شهاب في هذا الحديث: "فلم يزل به حتى قال: أطعمه رقيقك، واعلفه ناضحك"، وهذا هو الصواب، قال الخليل: والناضح: الجمل يستقى عليه.




                                                الخدمات العلمية