الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        معلومات الكتاب

                        إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

                        الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

                        صفحة جزء
                        [ ص: 750 ] لا يجوز أن يكون لمجتهد في مسألة قولان متناقضان في وقت واحد بالنسبة إلى شخص واحد ; لأن دليلهما إن تعادلا من كل وجه ، ولم يمكن الجمع ولا الترجيح وجب عليه الوقف ، وإن أمكن الجمع بينهما ، وجب عليه المصير إلى الصورة الجامعة بينهما ، وإن ترجح أحدهما على الآخر ، تعين عليه الأخذ به ، وبهذا يعلم امتناع أن يكون له قولان متناقضان في وقت واحد باعتبار شخص واحد .

                        وأما في وقتين فجائز ، لجواز تغير الاجتهاد الأول ، وظهور ما هو أولى ، بأن يأخذ به [ ويدع ] ما كان قد أخذ به .

                        وأما بالنسبة إلى شخصين فيكون ذلك على اختلاف المذهبين المعروفين ، عند تعادل الأمارتين ، فمن قال بالتخيير جوز ذلك له .

                        ومن قال بالوقف لم يجوز ، فإن كان للمجتهد قولان واقعان في وقتين ، فالقول الآخر رجوعه عن القول الأول بدلالته على تغير اجتهاد الأول .

                        إذا أفتى المجتهد مرة بما أدى إليه اجتهاده ، ثم سئل ثانيا عن تلك الحادثة ، فإما أن يكون ذاكرا لطريق الاجتهاد الأول أو لا يكون ذاكرا ، فإن كان ذاكرا جاز له الفتوى به ، وإن نسيه لزمه أن يستأنف الاجتهاد ، فإن أداه اجتهاده إلى خلاف فتواه في الأول أفتى بما أدى إليه اجتهاده ثانيا ، وإن أداه إلى موافقة ما قد أفتى به أولا ( أفتى به ) وإن لم يستأنف الاجتهاد ، لم يجز له الفتوى .

                        قال الرازي في المحصول : ولقائل أن يقول : لما كان الغالب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به كان طريقا قويا ، حصل له الآن ظن أن ذلك القوي حق ، جاز له الفتوى به ; لأن العمل بالظن واجب ، وأما إذا حكم المجتهد باجتهاده ، فليس له أن ينقضه إذا تغير اجتهاده ، وترجح له ما يخالف الاجتهاد الأول ; لأن ذلك يؤدي إلى [ ص: 751 ] عدم استقرار الأحكام الشرعية .

                        وهكذا ليس له أن ينقض باجتهاد ما حكم به حاكم آخر باجتهاده ; لأنه يؤدي إلى ذلك ، ويتسلسل ، وتفوت مصلحة نصب الحكام ، وهي فصل الخصومات ، ما لم يكن ما حكم به الحاكم الأول ، مخالفا لدليل قطعي ، فإن كان مخالفا للدليل القاطع نقضه اتفاقا ، وإذا حكم المجتهد بما يخالف اجتهاده ، فحكمه باطل ; لأنه متعبد بما أدى إليه اجتهاده ، وليس له أن يقول بما يخالفه ، ولا يحل له أن يقلد مجتهدا آخر فيما يخالف اجتهاده بل يحرم عليه التقليد مطلقا إذا كان قد اجتهد في المسألة ، فأداه اجتهاده إلى حكم ولا خلاف في هذا .

                        وأما قبل أن يجتهد ، فالحق أنه لا يجوز له تقليد مجتهد آخر مطلقا .

                        وقيل : يجوز له فيما يخصه من الأحكام ، لا فيما لا يخصه ، فلا يجوز .

                        وقيل : يجوز له تقليد من هو أعلم منه .

                        وقيل : يجوز له أن يقلد مجتهدا من مجتهدي الصحابة ، ولأهل الأصول في هذه المباحث كلام طويل ، وليست محتاجة إلى التطويل ، فإن القول فيها لا مستند له إلا محض الرأي .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية