الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
قلت: والكلام على هذا، - مع العلم بأن المقصود ذكر القول الفصل والحكم العادل فيما يذكره النفاة من الحجج والجواب عما ذكره من جهة منازعيه ليس المقصود استيفاء حجج المثبتة، بل إذا تبين أن هذا الذي هو الإمام المطلق في المتأخرين من هؤلاء النفاة المتكلمين والفلاسفة، وعرف فرط معاداته لهؤلاء المثبتة الذين ذكرهم وذكر حججهم مع ما هم عليه من ضعف الحجج وقلة المعرفة بالسنن ومذاهب السلف، ومع ما فيهم من الانحراف، ثم تبين ظهور حججهم العقلية التي ذكرها مع السمعية على ما استوفاه من حجج النفاة العقلية والسمعية، مع استعانته بكل من هو من النفاة حتى المشركين الصابئين مثل: أرسطو وأبي معشر وشيعتهما من الفلاسفة [ ص: 267 ] والمنجمين والمعتزلة وغيرهم، ومع أنه لم يبق ممكنا فيما فيه شبهة حجة: عرف من الحق ما يهدي به الله من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد ذكر أن لهم طريقين على أن كل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا له: أحدهما: ادعاء البديهة. وقد ذكر أنه سبق الكلام في ذلك فأحال على ما تقدم، وقد قدمنا القول على ما ذكره هناك في مقدمة كتابه مما يبين الحق لمن له أدنى نظر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وما ذكره هنا من حكاية كلام ابن الهيصم في مناظرته لابن فورك لم يبلغنا على الوجه المفصل، لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضا أنهما تناظرا بحضرة ولي السلطان محمود بن [ ص: 268 ] سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلاما وعقلا ودينا وجهادا وملكا في آخر المائة الرابعة، وكانت ملوك في خلافة القادر، وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر، وقد بنوا القاهرة وغيرها ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره، وكان والد ابن [ ص: 269 ] [ ص: 270 ] سينا منهم، وقال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في علوم الأوائل وكان بعض المشرق وكثير من جنده يميل إليهم، وفي ذلك الوقت صنف الناس الكتب في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، مثل الكتاب الذي صنفه القاضي أبو بكر [ ص: 271 ] الباقلاني، وغيره، وقد صنف مثل ذلك وبعده كتب أخر. وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بما نحن فيه.

وكان هذا مما دعا ( القادر ) إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع، فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه، وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصاب وهو من أجل المشايخ [ ص: 272 ] وأعلمهم وله لسان صدق عظيم، وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبو حامد الإسفراييني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله بن حامد إمام الحنابلة على [ ص: 273 ] ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري، وجبت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة، وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله، واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا، وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضا الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية [ ص: 274 ] والحنفية وغيرهم: قوم يقولون: هم من أهل البدع فيلعنون، وقوم يقولون: ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون، وجرت لابن فورك محنة بأصبهان، وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود، وكان يحب الإسلام والسنة مستنصرا بالإسلام عارفا به، غزا المشركين من أهل الهند وفتح الهند، وروي أنه قتل عشرة آلاف زنديق.

فكان مما حكاه ميمون النسفي الحنفي في [ ص: 275 ] كتابه، وهو من نفاة العلو: أن السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب تعطيله، وأنهم قالوا: لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة: بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، أو كلاما هذا معناه، وابن فورك عجز عن جواب هذا حتى كتب فيه إلى أبي إسحاق الإسفراييني وأن الإسفراييني لم يجب أيضا بما يدفع به ذلك [ ص: 276 ] إلا أن قال: يلزم من الإثبات أن يكون جسما أو نحو هذا.

التالي السابق


الخدمات العلمية