الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وهذا الذي قاله ابن خزيمة يحققه أن هذا الحديث رواه القاضي أبو أحمد العسال في " كتاب المعرفة " له من [ ص: 502 ] حديث محمد بن عمرو، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة؛ ولهذا يقال: إنه حديث حسن صحيح. ومثله ما روى أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا". رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي؛ وقال: حديث حسن غريب، قال: " ورواه بعضهم ولم يرفعه " وهذا لا يضر، [ ص: 503 ] لأنه إذا كان موقوفا على سلمان، فمثل هذا الكلام لا يقال إلا توقيفا. وقد أخبر في هذا الحديث أن العبد يشير بيديه ويرفعهما إلى الله سبحانه. وكذلك الحديث الذي في المسند والترمذي عن الفضل بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك". يقول: " ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب! ومن لم يفعل ذلك فهو خداج" فأخبر فيه أنه يقنع يديه أي يرفعهما، وأنه [ ص: 504 ] [ ص: 505 ] يرفعهما إلى ربه.

وفي الحديث المشهور الذي في صحيح مسلم، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر في صفة حجة الوداع، وهو الحديث الطويل المشهور أكثر حديث روي في حجة الوداع، قال: " فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في [ ص: 506 ] بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم، وتسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد بأنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى الموقف" وذكر تمام الحديث. فأشار بأصبعه السبابة وحدها إلى فوق، بإبلاغ الإشارة: اللهم اشهد؛ ثلاث مرات يجمع بين الإشارة [ ص: 507 ] الحسية المرئية والعبارة الحسية المسموعة.

وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر وقال: " يا أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت- قال ابن عباس: والذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته- فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".

وقد أخبرنا هنا " أنه رفع رأسه وقال: اللهم اشهد" وعن سعد بن أبي وقاص قال: " مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصبعي فقال: أحد، أحد، وأشار بالسبابة" رواه الإمام أحمد [ ص: 508 ] وأبو داود والنسائي. وأخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة نحوه، وقال: حديث حسن غريب. قالوا: ومعناه أشر بواحدة، فإن الذي تدعوه [ ص: 509 ] واحد، وهذا نص بين، في أن الإشارة إلى الله حيث قال له: " أحد أحد " أي أحد الإشارة فاجعلها بأصبع واحدة، فلو كانت الإشارة إلى غير الله لم يختلف الأمر بين أن يكون بواحدة أو أكثر، فعلم أن الإشارة لما كانت إلى الله وهو إله واحد أمره أن لا يشير إلا بأصبع واحدة لا باثنين.

التالي السابق


الخدمات العلمية