الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) وإذا قطع السارق ردت السرقة إلى صاحبها ; لأن المسروق منه واجد عين ماله ، ومن وجد عين ماله فهو أحق به فإن لم يقدر عليها فلا ضمان على السارق عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى هو ضامن لقيمتها ، وقال مالك إن كان السارق صاحب مال يؤمر بأداء الضمان في الحال ، وإن لم يكن له شيء فلا ضمان عليه في الحال ولا بعد ذلك ، واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترد } ، فقد أوجب على الآخذ ضمان المأخوذ إلى غاية الرد ، وقد وجد منه الأخذ هاهنا فيكون ضامنا وهو المعني في المسألة ، فإنه أخذ مال الغير بغير - حق فيكون ضامنا له كالغاصب ، ولا شك أنه بالأخذ ضامن حتى إذا سقط الحد بشبهة كان ضامنا للمال .

فلو سقط الضمان إنما يسقط باستيفاء القطع والقطع حد واجب لله تعالى فاستيفاؤه لا يسقط الضمان الواجب لحق العبد ، ولأن وجوب الضمان عليه بنفس الأخذ ووجوب القطع بإتمام فعل السرقة بالإخراج والحقان إذا وجبا بسببين فاستيفاء أحدهما لا يسقط الآخر ، كما لو قتل إنسانا ومزق عليه ثيابه لا يسقط عنه ضمان الثياب باستيفاء القصاص ، ولأنهما حقان اختلفا محلا ومستحقا وسببا ; لأن محل القطع اليد ومستحقه هو الله تعالى وسببه السرقة ومحل الضمان الذمة ومستحقه المسروق منه وسببه إدخال النقصان عليه بأخذ ماله فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر كالدية مع الكفارة في القتل والجزاء مع القيمة في الصيد المملوك في الحرم وشرب خمر الذمي على أصلكم ، فإنه يوجب الحد حقا لله تعالى [ ص: 157 ] والضمان للذمي .

( وحجتنا ) فيه قوله تبارك وتعالى { جزاء بما كسبا } ، فقد نص على أن القطع جميع موجب فعله لما بينا أن في لفظ الجزاء إشارة إلى الكمال ، فلو أوجبنا الضمان معه لم يكن القطع جميع موجب الفعل فكان نسخا لما هو ثابت بالنص ، وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا غرم على السارق بعد ما قطعت يده } ، وفي رواية { لا غرم على السارق فيما قطعت يمينه فيه } ، وفي رواية { إذا قطعت يد السارق لم يغرم } والمعنى فيه أن القطع عقوبة تندرئ بالشبهات ، والضمان غرامة تثبت مع الشبهات فلا يجمع بينهما بسبب فعل واحد كالقصاص مع الدية وتأثيره ، وهو أن الفعل الواحد صار بكماله معتبرا في حق ما يندرئ بالشبهات فلا يبقى شيء منه ليعتبر في حكم الضمان وبدون الفعل لا يجب الضمان ، ولا معنى لما قال الموجود منه فعلان الأخذ والإخراج ; لأن الإخراج تتميم لما هو المقصود بالأخذ فلا يأخذ حكم فعل آخر والإخراج بدون الأخذ لا يتحقق والخلاف ثابت فيما إذا سرق الثوب من تحت رأس نائم والأخذ والإخراج هنا حصل بفعل واحد ثم الفعل ، وإن تعدد صورة فالوجوب باعتبار حرمة المحل ، وهو بالسرقة ما هتك إلا حرمة واحدة هي من خالص حق الله تعالى ، وبيان ذلك أن القطع لا يجب إلا بسرقة مال متقوم محرز والقطع خالص حق الله تعالى فلا يجب إلا باعتبار جعل ما يجب به القطع لله تعالى ; لأن ما يجب باعتبار ما هو حق العبد يكون للعبد عقوبة كانت أو غرامة كالقصاص ، ولما وجب القطع لله تعالى عرفنا أنه يجب باعتبار أنه صار لله تعالى .

وإذا صارت المالية والتقوم في هذا المحل لله تعالى لم يبق للعبد فالتحق في حق العبد بما لا قيمة له ، ولكن هذا لا يتصور إلا باستيفاء القطع ; لأن ما يجب لله تعالى فتمامه بالاستيفاء فكان حكم الأخذ مراعى إن استوفى به القطع تبين أن حرمة المحل في ذلك الفعل كان لله تعالى فلا يجب الضمان للعبد ، وإن تعذر استيفاء القطع تبين أن حرمة المالية والتقوم كان للعبد فيجب الضمان له توضيحه أن العقوبة التي تندرئ بالشبهات لا تجب إلا بفعل حرام لعينه ، وإنما يكون فعل السارق حراما لعينه إذا لم يبق المحل محترما لحق العبد ، فأما إذا كانت حرمة المالية والتقوم لحق العبد فأخذه حرام لغيره ، وهو حق المالك ومثل هذا الفعل لا يوجب العقوبة كشرب عصير الغير إنما الموجب للعقوبة فعل هو حرام لعينه كشرب الخمر ، ولا يتحقق ذلك إلا بجعل المالية والتقوم في هذا المحل لله تعالى خالصا ، وإذا صار لله تعالى لم يبق للعبد كالعصير إذا تخمر لم يبق فيه المالية والتقوم لحق [ ص: 158 ] العبد ، ولا يدخل عليه الدية مع الكفارة ; لأن الكفارة ليست بعقوبة تندرئ بالشبهات ، ولأنها جزاء الفعل من غير اعتبار وصف المحل فيبقى المحل محترما لحق العبد ، ووجوب الكفارة لا يستدعي فعلا هو حرام العين ، ألا ترى أنها تجب في الخطأ ؟ وكذلك الجزاء مع القيمة في الصيد المملوك ، فإنه لا معتبر بالمالية والتقوم في إيجاب الجزاء ، ولهذا يجب الجزاء بقتل صيد نفسه والكفارة بقتل عبد نفسه ، وكذلك في شرب الخمر لا معتبر بالمالية والتقوم في إيجاب الحد ، ولهذا يجب الحد على من شرب خمر نفسه فبقيت المالية والتقوم في المحل حقا للذمي ; لأن مع بقائه الفعل محرم العين بما حدث من صفة الخمر في المحل ، ولا يدخل على هذا الملك ، فإنه يبقى للمسروق منه حتى يرد عليه ; لأن وجوب القطع باعتبار المالية والتقوم في المحل .

فأما الملك صفة المالك والفعل يكون محرم العين مع بقاء الملك ، ألا ترى أن فعله في شرب خمر نفسه يكون محرم العين مع بقاء الملك ؟ وليس من ضرورة انعدام المالية والتقوم في حقه انعدام الملك كالشاة إذا ماتت بقي ملك صاحبها في جلدها وإن لم تبق المالية والتقوم ، وإذا ثبت أن المالية والتقوم صارا حقا لله تعالى خالصا ، فلو وجب الضمان إنما يجب لله تعالى ، وقد وجب القطع لله تعالى .

ولا يجمع بين الحقين لمستحق واحد كالقصاص مع الدية ، ثم روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يجب الضمان على السارق إذا تلف المال في يده أو أتلفه وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يضمن إذا أتلفه ; لأن انعدام المالية والتقوم حقا للعبد إنما كان في فعل السرقة لا فيما سواه ، ألا ترى أن بيع المسروق منه ، وهبته العين من السارق أو من غيره صحيح ؟ والإتلاف فعل آخر فلا يظهر حكم المالية والتقوم حقا لله تعالى في هذا الفعل حتى يجب الضمان على المتلف ، كما لو أتلفه غيره ، وهذا ; لأن العين باق على ملك صاحبه بعد القطع ، فأما أن يكون أمانة أو مضمونا وكيف ما كان فهو مضمون بالإتلاف .

وجه رواية أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الإتلاف إتمام للمقصود بالسرقة فكما لا تبقى المالية والتقوم حقا للعبد في أصل السرقة بعد القطع ، فكذلك فيما يكون إتماما للمقصود به بخلاف بيع المسروق منه وهبته ، فإنه ليس بإتمام للمقصود بالسرقة بل هو تصرف آخر ابتداء ، وروى هشام عن محمد رحمهما الله تعالى أن السارق لا يضمن في الحكم ، فأما فيما بينه وبين الله تعالى يفتى بأداء الضمان ; لأن المسروق منه قد لحقه النقصان والخسران من جهته بسبب هو متعد فيه ، ولكن تعذر على القاضي القضاء بالضمان لما اعتبر المالية والتقوم في [ ص: 159 ] حق استيفاء القطع فلا يقضي بالضمان ، ولكنه يفتي برفع النقصان والخسران الذي ألحق به فيما بينه وبين الله تعالى

التالي السابق


الخدمات العلمية