الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولما تسبب عن إتيانه إليهم انشراح صدره؛ بعدما كان حصل له من الضيق الذي أوجب له ما تقدم؛ قال: فآمنوا ؛ أي: تجريدا لأنفسهم من الحظوظ النفسانية؛ ولحوقا بالصفات الملكية؛ ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب؛ الذي كان أوجبه لهم كفرهم؛ قال: فمتعناهم ؛ أي: ونحن على ما نحن عليه من العظمة؛ لم ينقص ذلك من عظمتنا شيئا؛ ولا زاد فيها؛ إلى حين ؛ أي: إلى انقضاء آجالهم التي ضربناها لهم في الأزل. [ ص: 297 ] ذكر قصة يونس - عليه السلام - من سفر الأنبياء؛ قال مترجمه: نبدأ بمعونة الله وقوته بكتب نبوة يونان بن متى؛ النبي: كانت كلمة الرب على يونان بن متى؛ يقول له: قم فانطلق إلى نينوى؛ المدينة العظيمة؛ وناد فيها بأن شرارتكم قد صعدت قدامي؛ وقام يونان ليفر إلى ترسيس من قدام الرب؛ وهبط إلى يافا؛ ووجد سفينة تريد تدخل إلى ترسيس؛ فأعطى الملاح أجرة؛ ونزلها ليدخل معهم إلى ترسيس هاربا من قدام الرب؛ والرب طرح ريحا عظيمة في البحر؛ فكان في البحر موج عظيم؛ والسفينة كانت تتمايل لتنكسر؛ وفرق الملاحون؛ وجأر كل إنسان إلى إلهه؛ وطرحوا متاع السفينة في البحر؛ ليخففوا عنهم؛ بحق هبط يونان إلى أسفل السفينة؛ ونام؛ فدنا منه سيد الملاحين؛ وقال له: لماذا أنت نائم؟ قم فادع إلهك لعل الله يخلصنا؛ ولا نهلك؛ وقال الرجل لصاحبه: تعالوا نقترع؛ ونعلم: هذا الشر من قبل من جاء علينا؟ فاقترعوا فجاءت القرعة على يونان؛ فقالوا له: أخبرنا؛ ما هذا الشر؟ وماذا هو عملك؟ ومن أين أنت؟ ومن [ ص: 298 ] أي شعب أنت؟ وأيتها أرضك؟ فقال لهم يونان: أنا عبراني؛ ولله رب السماء أخشى؛ الذي خلق البر والبحر؛ ففرق أولئك القوم فرقا شديدا؛ فقالوا له: ماذا صنعت؟ لأن أولئك الناس علموا أنه من قدام إلهه هرب؛ فلما أخبرهم قالوا: ما نصنع بك حتى يسكن عنا البحر؛ لأن البحر هو ذا منطلق يزخر علينا؟ قال لهم يونان: خذوني فاطرحوني في البحر؛ فيسكن عنكم البحر؛ لأني أعلم أن هذا الموج العظيم من أجلي هاج عليكم؛ فجهد أولئك الناس أن يرجعوا إلى الساحل؛ فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا؛ لأن البحر كان ذاهبا يزخر عليهم؛ ودعوا إلى الرب؛ وقالوا: أيها الرب؛ لا يحسب علينا دم زكي؛ ولا نهلك بنفس هذا الرجل؛ من أجل أنك أنت الرب؛ وكل ما شئت تصنع؛ فأخذوا يونان وطرحوه في البحر؛ فاستقر البحر من أمواجه؛ وفرق أولئك الناس من قدام الرب فرقا شديدا؛ وذبحوا ذبائح للرب؛ ونذروا له النذور؛ وهيأ الرب سمكة عظيمة فابتلعت يونان؛ وكان يونان في أمعاء السمكة ثلاثة أيام؛ وثلاث ليال؛ وقال: دعوت الرب في حزني فأجابني؛ ومن بطن الجحيم تضرعت إليه؛ وسمع صوتي؛ وطرحني في الغوط؛ في قلب البحر؛ والأنهار أحاطت بي؛ وكل أمواجك وأهياجك علي جازت؛ [ ص: 299 ] أنا بحق قلت: إني قد تباعدت من قدام عينيك؛ من الآن أترى أعود فأنظر إلى هيكلك المقدس؛ وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي؛ والأهوال أحاطت بي؛ وفي أسفل البحر احتبس رأسي؛ وإلى أسفل الجبال هبطت؛ والأرض أطبقت أغلاقها في وجهي إلى الدهر؛ إذا اغتمت نفسي للرب ذكرت؛ ودخلت صلاتي قدامك؛ إلى هيكلك المقدس؛ فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا؛ أنا بحق بصوت الشكر أقرب لك؛ وأذبح؛ والذي نذرته أوفيه للرب؛ فأمر الرب السمكة؛ فقذفت يونان في اليبس؛ وأتى كلام الرب إليه المرة الثانية؛ وقال له: قم يا يونان؛ فانطلق إلى نينوى؛ المدينة العظيمة؛ وناد فيها بالنداء الذي أقوله لك؛ فقام يونان وانطلق إلى نينوى؛ مثل كلمة الرب؛ ونينوى كانت مدينة عظيمة للرب؛ مسيرة ثلاثة أيام؛ وتبدأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم واحد؛ ونادى وقال: من الآن؛ وإلى أربعين يوما نينوى تنقلب؛ فآمن أهل نينوى لله؛ وفرضوا الصوم؛ ولبسوا المسوح؛ من عظمائهم حتى صغائرهم؛ وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى؛ فقام عن كرسيه؛ [ ص: 300 ] ونزع تاجه؛ واكتسى مسح شعر؛ وجلس على الرماد؛ ونادى في نينوى؛ وقال الملك وأشرافه: وكل الناس؛ والغدائر؛ والثيران؛ والغنم؛ فلا يذوقون شيئا من الطعام؛ ولا يرعون؛ وماء فلا يشربون؛ ولكن فليلبس الناس؛ والغدائر؛ ويدعوا الله بالتضرع؛ ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء؛ وعن الاختطاف الذي في يده؛ وقالوا: من ذا الذي يعلم أن الله يقبل منا؛ ويترحم علينا؛ ويرد عنا غضبه ورجزه؛ لكيلا نهلك؛ ونظر الله إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء؛ فرد عنهم غضب رجزه؛ ولم يبدهم؛ وحزن يونان حزنا شديدا؛ وتكره من ذلك جدا؛ وصلى قدام الرب؛ وقال: أيها الرب؛ ألم تكن هذه كلمتي؛ وأنا بعد في بلادي؛ ولذلك سبقت وفررت إلى ترسيس؛ قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف؛ طويل صبرك؛ وكثيرة نعمتك؛ وترد السوء الآن يا رب؛ انزع نفسي مني؛ لأن الموت أنفع لي من الحياة؛ فقال له: جدا حزنت يا يونان؛ وخرج يونان من المدينة؛ واتخذ له ثمة مظلة؛ وجلس تحتها في الظل؛ لينظر ما الذي يعرض للمدينة؛ وأمر الله الرب أصل القرع؛ ونبت وارتفع على رأس يونان؛ فكان ظل على رأسه؛ فتفرج من شدته؛ وفرح فرحا كثيرا يونان بأصل القرع. [ ص: 301 ] وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع الصبح؛ فضربت أصل القرع؛ وقرضته؛ فلما طلعت الشمس أمر الله ريح السموم فيبست أصل القرع؛ وحميت الشمس في رأس يونان؛ واغتم؛ وسأل الموت لنفسه؛ وقال: إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني؛ لأني لم أكن أخبر من إياي؛ وقال الرب ليونان: جدا حزنت على أصل القرع؟ فقال يونان: جدا أحزن حتى الموت؛ قال له الرب: أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم تعن به؛ ولم تربه؛ الذي في ليلة نبت؛ وفي ليلة يبس؛ فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم؛ وكثرة من الغدائر؛ انتهى.

                                                                                                                                                                                                                                      ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من بطن الحوت؛ فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه؛ وقد زاد عظمه فبنى تحته عريشا؛ وجلس تحته؛ فكان منه ما كان؛ فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفا لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة؛ والله الموفق.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية