الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وتعلم صنعة ) وكبر شجرة وثمرة لم تؤبر في يده ( فاز البائع بها ) من غير شيء يلزمه لها ، وهذا ما رجحه الرافعي في الشرح الصغير واعتمده الأذرعي ونقله في البيان عن الأصحاب ونص عليه في الأم ، لكن ذكر الشيخان بعد أن المشتري يكون شريكا بالزيادة واعتمده الإسنوي وجمع الزركشي وغيره بحمل الأول على ما إذا تعلم بنفسه ; لأنه حينئذ كالسمن بجامع أن لا صنع للمفلس فيهما

                                                                                                                            والثاني على ما إذا تعلم بواسطة المفلس للقاعدة الآتية أنه حيث فعل المبيع ما يجوز الاستئجار عليه كان شريكا بنسبة الزيادة ، وعبارتهما تصرح بهذا الجمع فإنهما عبرا هنا بالتعلم مصدر تعلم بنفسه وثم بالتعلم مصدر علمه غيره ، وكذا حكم الزيادة في سائر الأبواب إلا في الصداق فإن المطلق قبل الدخول لا يرجع في نصف الزائد إلا برضا الزوجة كما سيأتي ، والفرق أن البائع يرجع بطريق الفسخ للعقد فكأنه لم يوجد ، ولو تغيرت صفة البيع كأن زرع الحب فنبت قال الإسنوي : فالأصح على ما يقتضيه كلام الرافعي أنه يرجع ، وجزم به ابن المقري وأفتى به الشيخ رحمه الله تعالى .

                                                                                                                            قال الإسنوي : [ ص: 345 ] ومقتضى الضابط في المسألة السابقة أن لا يفوز البائع بالزيادة فاعلمه ( والمنفصلة كالثمرة المؤبرة والولد ) الحادثين بعد البيع ( للمشتري ) ; لأنها تتبع الملك بدليل الرد بالعيب ، ولأن الثمرة المذكورة لا تتبع الشجر في البيع فكذا في الرجوع وقضيته أنه لا يشترط تأبير الكل ، فلو تأبر البعض كان الكل للمفلس أيضا وهو قريب ; لأنه حينئذ لا يتبع في البيع فكذا في الرجوع ، ولا ينافيه ما يأتي في أحد التوأمين ; لأن الانفصال ثم حسي كالاتصال فأدير الأمر عليهما ولم ينظر إلى أن التوأمين كمحمل واحد ، ولو وضعت أحد توأمين عند المشتري ثم رجع البائع قبل وضع الآخر أعطي كل منهما حكمه فيما يظهر كما اعتمده الوالد رحمه الله تعالى ، وهو قياس المعتمد عند الشيخين في نظيرها سواء أبقي المولود أم لا ; لأن المدار هنا على الحدوث والانفصال في ملك المفلس ولم يوجد إلا في واحد ، وتوقف انقضاء العدة وما شاكله على انفصال الباقي لا ينافي ما ذكرناه لاختلاف المدرك ، فترجيح الشيخ أنها كما لو لم تضع شيئا ليس بظاهر .

                                                                                                                            والمراد بالمؤبرة ثمرة النخل ، وأما ثمرة غيره فما لا يدخل في مطلق بيع الشجر كان حكمه حكم المؤبرة وما يدخل كغيرها ، فورق الفرصاد والنبق والحناء والآس إن خرج ، والورد الأحمر إن تفتح والياسمين والتين والعنب ، وما أشبهه إن انعقد وتناثر نوره والرمان والجوز إن ظهر مؤبرة وإلا فلا ، فما لا يظهر حالة الشراء وكان كالمؤبرة حالة الرجوع بقي للمفلس وما لا يكون كذلك رجع فيه ( ويرجع البائع في الأصل ) دونها ; لأن الشارع إنما أثبت له الرجوع في المبيع فيقتصر عليه ( فإن كان الولد ) أي ولد الأمة ( صغيرا ) لم يميز ( وبذل ) بالمعجمة ( البائع قيمته أخذه مع أمه ) لامتناع التفريق ، ومال المفلس مبيع كله فأجيب البائع ، والأوجه أنه لا بد من عقد نظير ما يأتي في تملك المعير الغراس والبناء في الأرض المعارة وأنه لا بد من مقارنة هذا العقد للرجوع ، فلا يكفي الاتفاق عليه قبل حذرا من التفريق بينهما إذ هو ممتنع ولو في لحظة كما اقتضاه إطلاقهم ( وإلا ) أي وإن لم يبذلها ( فيباعان ) معا ( وتصرف إليه حصة الأم ) من الثمن وحصة الولد للغرماء فرارا من التفريق الممنوع منه وفيه إيصال كل منهما إلى حقه ، وكيفية التقسيط كما قاله الشيخ أبو حامد أن تقوم الأم ذات ولد ; لأنها تنقص به وقد استحق الرجوع فيها ناقصة ثم يقوم الولد ويضم قيمة أحدهما إلى قيمة الآخر ويقسم عليهما ( وقيل لا رجوع ) إذ لم يبذل القيمة بل [ ص: 346 ] يضارب لما فيه من التفريق من حين الرجوع إلى البيع ، وفي عبارة المصنف قلاقة ، ومعناها أنه إذا لم يبذل البائع قيمة الولد فالأصح أنه تباع الأم والولد معا ويصرف ما يخص الولد إلى المفلس وما يخص الأم للبائع .

                                                                                                                            والثاني لا يصرف إليه حصة الأم بل يبطل حقه من الرجوع ويضارب بالثمن ( ولو ) ( كانت ) الدابة المبيعة ( حاملا عند الرجوع دون البيع أو عكسه ) بالنصب : أي حاملا عند البيع دون الرجوع بأن انفصل الولد قبله ( فالأصح تعدي الرجوع إلى الولد ) وجه الأصح في الأولى كون الحمل تابعا في البيع فكذا في الرجوع ، ووجه مقابله أن البائع إنما يرجع فيما كان عند البيع ، والحمل ليس كذلك فيرجع في الأم فقط قبل الوضع كما قاله الجويني .

                                                                                                                            وذكر المصنف في الروضة أنه ظاهر كلام الأكثرين لا بعده على ما ذكره الصيدلاني ، وإنما رجح الوجه الثاني في نظائر المسألة من الرهن والرد بالعيب ورجوع الوالد في الهبة ; لأن الرهن ضعيف ، بخلاف الفسخ لنقله الملك وفي الرد بعيب ورجوع الوالد في هبته ; لأن سبب الفسخ هنا نشأ من جهة المفلس فلم تراع جهته بخلافه ثم .

                                                                                                                            وأما الصورة الثانية فالخلاف فيها مفرع على كون الحمل يعلم فكأنه باع عينين فيرجع فيهما أو لا يعلم فلا يرجع فيه ، ولما كان الأصح العلم كان الأصح الرجوع ، ولو كانت حاملا عندهما رجع فيها حاملا قطعا ، ولو حدث بينهما وانفصل فقد مر أنه للمشتري وبذلك تكمل للمسألة أربعة أحوال

                                                                                                                            ( واستتار الثمر بكمامه ) بكسر الكاف وهو أوعية الطلع ( وظهوره بالتأبير ) أي تشقق الطلع ( قريب من استتار الجنين وانفصاله ) فإذا كانت الثمرة على النخل المبيعة عند البيع غير مؤبرة ، وعند الرجوع مؤبرة فهي كالحمل عند البيع المنفصل قبل الرجوع فيتعدى الرجوع إليها عن الراجح ( و ) هي ( أولى بتعدي الرجوع ) إليها من الحمل ; لأنها مشاهدة موثوق بها بخلافه ، ولذلك قطع بعضهم بالرجوع فيها ، ولو حدثت الثمرة بعد البيع ، وهي غير مؤبرة عند الرجوع رجع فيها على الراجح لما مر في نظير ذلك من الحمل ، وهذه المسألة لا تتناولها عبارة المصنف كما قاله الشارح دافعا به الاعتراض عليه بأن هذه أولى بعدم تعدي الرجوع ، ولو كانت الثمرة غير مؤبرة عند البيع والرجوع رجع فيها جزما ، ولو حدثت بعد البيع وكانت مؤبرة عند الرجوع فهي للمشتري ، ومتى رجع البائع في الأصل من الشجر أو الأرض وبقيت الثمرة أو الزرع فللمفلس والغرماء تركه إلى وقت الجذاذ من غير أجرة

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : وهذا ما رجحه الرافعي ) أي في التعلم فقط على ما يشعر به الجمع الآتي ( قوله : وجمع الزركشي إلخ ) معتمد ( قوله : فيهما ) أي التعلم والتسمين

                                                                                                                            ( قوله : فكأنه ) أي العقد لم يوجد : أي وفي الصداق لم يفسخ النكاح وإنما قطعه بالطلاق

                                                                                                                            ( قوله : أنه يرجع ) أي وعليه فهل يبقى إلى أوان الحصاد بلا أجرة أو يقلع حالا أو يبقى بأجرة مثل الأرض بقية المدة ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول ; لأنه وضع [ ص: 345 ] بحق ، ثم إن كانت الأرض للمشتري فظاهر ، وإلا دفع أجرتها من ماله ( قوله : أن لا يفوز البائع ) أي بل يشاركه المشتري ، ولعل صورة المشاركة أن يقوم المبيع حبا ثم زرعا ، ويقسم بينهما بالنسبة نظير ما يأتي في مسألة الصبغ

                                                                                                                            ( قوله : الحادثين بعد البيع ) أي بأن حدث كل من الثمرة والحمل بعد البيع

                                                                                                                            ( قوله : فأدير الأمر عليهما ) أي الاتصال والانفصال ( قوله : أعطي كل منهما حكمه ) أي ما لم تكن حاملا عند البيع وإلا فيرجع البائع فيهما

                                                                                                                            ( قوله : في نظيرها ) أي في الرد بالعيب ( قوله فورق الفرصاد ) أي التوت الأحمر ، والمراد هنا ورق التوت مطلقا ( قوله : والأوجه أنه لا بد من عقد ) أي خلافا لحج

                                                                                                                            ( قوله : حذرا ) علة لكلام المصنف

                                                                                                                            ( قوله : ولو في لحظة ) أي حيث كان بعقد

                                                                                                                            ( قوله : ثم يقوم الولد ) أي بصفة كونه محضونا

                                                                                                                            ( قوله : ويضم قيمة أحدهما ) ما ذكره من كيفية التقسيط هنا مثل مقابل الأصح فيما لو رهن الأم دون ولدها ، والأصح ثم أنه تقوم الأم وحدها ثم مع الولد فالزائد قيمته ، وعليه فلينظر الفرق [ ص: 346 ] بين ما هنا وثم حيث جزم هنا بنظير مقابل الأصح هناك ، وسوى حج بين ما هنا وثم ( قوله وفي عبارة المصنف قلاقة ) وذلك ; لأنها توهم امتناع الرجوع ، وإن بذل القيمة مع أنه غير مراد ومن ثم قال : ومعناها : أي المعنى المراد منها إلخ ( قوله : بالنصب ) أي أو الرفع أي أو حصل عكسه ( قوله : وأما الصورة الثانية ) هي صورة العكس ( قوله : ولو حدث بينهما ) أي بين البيع والرجوع ( قوله أربعة أحوال ) وهي كونها حاملا عند الرجوع دون البيع وعكسه وحاملا فيهما وليست حاملا في حالة منهما

                                                                                                                            ( قوله : أي تشقق ) هو تفسير مراد ولا فالتأبير التشقيق كما تقدم



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : وهذا ما رجحه الرافعي ) يعني : في الصنعة بقرينة ما بعده في كلامه وبه صرح غيره . ( قوله : للقاعدة الآتية ) يعني : ما يأتي من الأحكام التي تقع فيها الشركة وإن [ ص: 345 ] لم يعبر عنها بالقاعدة . ( قوله : ومقتضى الضابط في المسألة السابقة ) لعل مراده ما مر في قوله للقاعدة الآتية أنه حيث إلخ . ( قوله : فورق الفرصاد والنبق والحناء والآس ) أي : بناء على أنها لا تدخل في بيع الشجر ، وإلا فالذي مر له في بيع الأصول والثمار ترجيح دخول الأربعة في بيع الشجر . ( قوله : فلا يكفي الاتفاق عليه قبل ) الأولى إسقاط [ ص: 346 ] لفظ قبل . ( قوله : وفي الرد بعيب إلخ ) وحق العبارة ; ولأن الفسخ في الرد بالعيب ورجوع الولد لم ينشأ من جهة المشتري ولا الفرع بخلاف ما هنا ( قوله : ولا تتناولها عبارة المصنف ) أي : لقرينة قوله وأولى بعدم الرجوع فهو قرينة على عدم التناول . ( قوله : وبقيت الثمرة أو الزرع ) أي : للمفلس




                                                                                                                            الخدمات العلمية