الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        استأجر أرضا لزرع معين ، فانقضت المدة ولم يدرك ، فلعدم الإدراك فيها أسباب . أحدها : التقصير في الزراعة ، بأن أخرها حتى ضاق الوقت ، أو أبدل الزرع المعين بما هو أبطأ منه ، أو أكله الجراد ونحوه ، فزرع ثانيا ، فللمالك إجباره على قلعه ، وعلى الزارع تسوية الأرض كالغاصب ، هذا لفظ البغوي ، ومقتضى إلحاقه بالغاصب ، أن يقلع زرعه قبل انقضاء المدة أيضا ، لكن المتولي وغيره صرحوا بأنه لا يقلع قبل انقضاء المدة ، لأن منفعة الأرض في الحال له .

                                                                                                                                                                        قلت : الصواب ما صرح به المتولي وغيره ، وليس مراد البغوي بإلحاقه بالغاصب ، القلع قبل المدة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        للمالك منعه من زراعة ما هو أبطأ إدراكا ، وهل له منعه من زراعة الزرع المعين ابتداء إذا ضاق الوقت ؟ وجهان لأنه استحق منفعة الأرض تلك المدة ، وقد يقصد القصيل .

                                                                                                                                                                        قلت : الأصح : أنه ليس له منعه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        السبب الثاني : أن يتأخر الإدراك لحر أو برد ، أو كثرة المطر ، أو أكل [ ص: 214 ] الجراد رءوس الزرع ، فنبت ثانيا فتأخر لذلك ، فالصحيح أنه لا يجبر على القلع ، بل على المالك الصبر إلى الإدراك مجانا أو بأجرة المثل . وقيل : له قلعه مجانا ، لخروجه عن المدة .

                                                                                                                                                                        السبب الثالث : أن يكون الزرع المعين بحيث لا يدرك في المدة ، بأن استأجر لزراعة الحنطة شهرين . فإن شرطا القلع بعد المدة ، جاز ، وكأنه أراد القصيل . ثم لو تراضيا على الإبقاء مجانا أو بأجرة المثل ، جاز ، فإن شرطا الإبقاء ، فسد العقد ، للتناقض بينه وبين التوقيت ، ولجهالة مدة الإدراك ، ويجيء فيه خلاف سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى . وإذا فسد العقد ، فللمالك منعه من الزراعة ، لكن لو زرع ، لم يقلع مجانا ، للإذن ، بل يأخذ منه أجرة المثل لجميع المدة . وإن أطلقا العقد ، ولم يتعرضا لقلع ولا إبقاء ، صح العقد على الأصح . فعلى هذا ، إن توافقا بعد المدة على إبقائه مجانا أو بأجرة ، فذاك . وإن أراد المالك إجباره على القلع ، لم يكن له على الأصح ، وهو اختيار القفال ، لأن العادة فيه الإبقاء . وعلى هذا ، فالأصح أن له أجرة المثل للزيادة . وقيل : لا ، لأنه في معنى معير للزيادة . وقال أبو الفرج السرخسي : إذا قلنا : لا يقلع بعد المدة ، لزم تصحيح العقد إذا شرط الإبقاء بعد المدة ، وكأنه صرح بمقتضى الإطلاق ، وهذا حسن . أما إذا استأجر للزراعة مطلقا وقلنا بالأصح وهو صحته ، فعليه أن يزرع ما يدرك في تلك المدة . فإن زرعه وتأخر إدراكه لتقصير أو لغيره ، فعلى ما ذكرناه في الزرع المعين . ولو أراد أن يزرع ما لا يدرك في تلك المدة ، فللمالك منعه . فلو زرع ، لم يقلع إلى انقضاء المدة . وقال صاحب " المهذب " يحتمل أن لا يمنع من زرعه ، كما لا يقلع إذا زرع .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية