الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحكم الثاني : جناية اللقيط ، والجناية عليه . أما جنايته ، فإن كانت خطأ ، فموجبها في بيت المال ، ولا نخرج ذلك على الخلاف في التوقف ، كما لا نتوقف في صرف تركته إلى بيت المال . وإن كانت عمدا ، نظر ، إن كان بالغا ، فعليه القصاص بشرطه . وإن جنى قبل البلوغ ، فإن قلنا : عمد الصبي عمد ، وجبت الدية مغلظة في ماله . فإن لم يكن له مال ، ففي ذمته إلى أن يجد . وإن قلنا : خطأ ، وجبت مخففة في بيت المال . ولو أتلف مالا ، فالضمان عليه ، فإن كان اللقيط محكوما بكفره ، فالتركة فيء ، ولا تكون جنايته في بيت المال . وأما الجناية عليه ، فإن كانت خطأ ، نظر ، إن كانت على نفسه ، أخذت الدية ووضعت في بيت المال . وقياس من قال بالتوقف في أحكامه : أن لا يوجب الدية الكاملة ، ولم أره .

                                                                                                                                                                        [ ص: 436 ] قلت : الصواب ، الجزم بالدية الكاملة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وإن كانت على طرفه ، فواجبها حق اللقيط يستوفيه القاضي ، ويعود فيه القياس المذكور . وإن كانت عمدا ، فإن قتل ، وجب القصاص على الأظهر . وقيل : يجب قطعا ، وهو نصه في " المختصر " ، لأنه مسلم معصوم . وإن قتل بعد البلوغ والإفصاح بالإسلام ، وجب قطعا . وقيل : على الخلاف ، لأن القصاص حق للمسلمين ، ولا يتصور رضا كلهم باستيفائه . وإن قتل بعد البلوغ قبل الإفصاح ، فعلى الخلاف . وقيل : لا يجب قطعا ، لقدرته على الإفصاح الواجب . وإن كانت الجناية على الطرف ، وجب القصاص على المذهب . وقيل : قولان . ثانيهما : يتوقف . فإن بلغ وأفصح ، تبينا وجوبه ، وإلا ، فعدمه . وإن كان الجاني على النفس أو الطرف كافرا رقيقا ، وجب على المذهب . وقيل : قولان ، لأنه حق للمسلمين ، ولا يتصور رضاهم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا أوجبنا له القصاص ، فقصاص النفس يستوفيه الإمام إن رآه مصلحة . وإن رأى العدول إلى الدية ، عدل ، وليس له العفو مجانا ، لأنه خلاف مصلحة المسلمين . وأما قصاص الطرف ، فإن كان اللقيط بالغا عاقلا ، فالاستيفاء إليه ، وإلا ، فليس للإمام استيفاؤه . وقال القفال : يجوز في المجنون ، لأنه ليس لإفاقته زمن معين ، وهذا ضعيف عند الأصحاب . وأضعف وجه حكاه السرخسي في جواز الاقتصاص ، حيث يجوز له أخذ الأرش . والمذهب : المنع قطعا . وإذا لم يقتص ، فهل له أخذ أرش الجناية ؟ نظر ، إن كان المجني عليه مجنونا فقيرا ، فله وإن كان صبيا غنيا ، فلا ، وإن كان مجنونا غنيا ، أو صبيا فقيرا ، فالأصح المنع . وحيث منعنا الأرش ، [ ص: 437 ] أو لم نر المصلحة فيه ، يحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة ، وإذا جوزناه فأخذه ، ثم بلغ الصبي أو أفاق المجنون ، وأراد أن يرده ويقتص ، ففي تمكنه وجهان شبيهان بما لو عفا الولي عن الشفعة للمصلحة فبلغ وأراد الأخذ ، وهما مبنيان على أن أخذ المال عفو كلي وإسقاط للقصاص ، أم سببه الحيلولة لتعذر الاستيفاء ؟ وقد يرجح الأول بأن الحيلولة إنما تكون إذا جاءت من قبل الجاني كإباق المغصوب .

                                                                                                                                                                        قلت : الراجح الأول . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وما ذكرناه في أخذ الأرش للقيط ، جار في كل طفل يليه أبوه أو جده بلا فرق . وحكى الإمام عن شيخه ، أنه ليس للوصي أخذه ، قال : وهذا حسن إن جعلناه إسقاطا . وإن قلنا : للحيلولة ، فينبغي أن لا يجوز [ للوصي أيضا ] .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية