الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ومن قال لغيره بع عبدك من فلان بألف درهم على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف [ ص: 123 ] ففعل فهو جائز ويأخذ الألف من المشتري والخمسمائة من الضامن ، وإن كان لم يقل من الثمن جاز البيع بألف ولا شيء على الضمين ) وأصله أن الزيادة في الثمن والمثمن جائز عندنا ، وتلحق بأصل العقد خلافا لزفر والشافعي لأنه تغيير للعقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه عدلا أو خاسرا أو رابحا ، ثم قد لا يستفيد المشتري بها شيئا بأن زاد في الثمن وهو يساوي المبيع بدونها فيصح اشتراطها على الأجنبي كبدل الخلع لكن من شرطها المقابلة تسمية وصورة ، فإذا قال من الثمن وجد شرطها فيصح ، وإذا لم يقل لم يوجد فلم يصح .

التالي السابق


( قوله ومن قال لغيره : بع عبدك من فلان بألف درهم على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف فقال [ ص: 123 ] بعت فهو جائز ) وهو جواب للكل سواء كان قول الضامن ذلك بعد مفاوضة بين فلان وسيد العبد بألف وإباء أو ابتداء . قال في بعض الشروح : ويكون البيع بعده دلالة على القبول ; لأنه امتثال بذلك كقول الرجل لامرأته طلقي نفسك إن شئت فقالت طلقت ، يجعل قبولا استحسانا ، فكذا هذا . وفي بعضها ما يفيد أنه إيجاب فإنه قال : ولو لم يكن إباء ولا مساومة وحصل إيجاب العقد عقيب ضمان الرجل كان كذلك ، وهذا هو الصواب ; لأن قوله بع عبدك أمر ولفظة الأمر لا تكون في البيع إيجابا على ما مر من أنه لو قال بعني هذا بكذا فقال بعت لا ينعقد حتى يقبل الآخر بعده ، بخلاف طلقي نفسك في التفويض في الخلع فلا بد أن المشتري يقول بعد بعت من البائع اشتريت أو معناه على ما سلف هناك ، ولو لم يقل من الثمن فباع جاز البيع بألف فقط لأنه إذا قال : من الثمن فقد أضاف التزامه زيادة خمسمائة في الثمن إلى بيعه ، والزيادة في الثمن جائزة عندنا خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله .

والضمان جائز الإضافة فقد وجد المقتضي للزوم بلا مانع . وإذا لم يقل من الثمن لم يلتزم الخمسمائة من الثمن بل التزم مالا يعطيه إياه إن باعه بألف ، وهذه رشوة إذ لم تقابل بالمبيع حيث لم يقل من الثمن فينعقد بألف فقط ، ثم في الأول إن كان بأمر المشتري كان له أن يحبس المبيع حتى يأخذ الخمسمائة من الضامن ; لأن البيع على المشتري صار بألف وخمسمائة ، وللمشتري أن يرابح على ألف وخمسمائة ، ولو كانت دارا ولها شفيع أخذها بألف وخمسمائة .

ولو رد [ ص: 124 ] بعيب أو تقايلا فالبائع يرد الألف على المشتري والخمسمائة على الضامن ، ولو كان بغير أمره لم تثبت الزيادة في حق المشتري فليس للبائع حبس المبيع على الخمسمائة ويرابح على ألف ويأخذها الشفيع بألف .

ولو تقايلا أو ردت بعيب أو تقايلا البيع فللأجنبي أن يسترد الخمسمائة .

فإن قيل : ينبغي أن لا يصح هذا لأن الشراء على أن الثمن على الأجنبي لا يجوز فكذا على أن يكون بعضه عليه . أجاب الكرخي بمنع كون الشراء على أن الثمن على الأجنبي لا يجوز إذ لا رواية فيه عن أصحابنا . وتعقبه الرازي بأن محمدا نص على أنه إذا اشترى بدين له على غير البائع لا يجوز لأنه شرط في البيع كون تسليم الثمن على المشتري ، فأولى أن لا يجوز إذا كان أصل الثمن على غير المشتري ، ثم اختار أن القياس أن لا يجوز ولكنا تركناه بمعنى حديث أبي قتادة { في الذي امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه للدين الذي عليه فالتزمه أبو قتادة رضي الله عنه فصلى عليه } فقد التزم دينا لا في مقابلة شيء يحصل للملتزم وهذه الزيادة من الأجنبي كذلك إذ لم يحصل للأجنبي في مقابلتها شيء .

ودفع بأنه لو كان بالنظر إلى مقتضى هذا الحديث لزم جواز اشتراط كل الثمن على الأجنبي ولا يجوز ذلك . فالجواب هو ما ذكره المصنف أن هذه الزيادة لها شبه ببدل الخلع حيث لم يكن في مقابلته شيء يسلم للملتزم وبدل الخلع يجوز اشتراطه على الأجنبي ، وقد يقال : هذا التعليل قاصر ، فإن الزيادة كما لا تكون في مقابلة شيء تكون في مقابلة شيء ، ووجودها في مقابلة شيء أكثر أحوال العقد ، فإن أحواله ثلاثة : كونه خاسرا ، ورابحا ، وعدلا . وكونها لا في مقابلة شيء في وجه من الثلاثة ، وهو كونه رابحا فلا يجوز اعتبار الأقل بل الواجب اعتبار الحال الأغلبية في المشابهة خصوصا إذا كان يبنى عليها حكم شرعي ، فالأولى ما قيل : إن الزيادة ثبتت تبعا فجاز أن تثبت على الغير بخلاف أصل الثمن الثابت مقصودا . فإن قيل : لو ثبتت الزيادة ثمنا والأجنبي ضامن لها لزم جواز مطالبة المشتري بها كالكفيل .

قلنا : لا يلزم من صحة الكفالة توجه المطالبة على الأصيل ، ألا ترى أن من قال لزيد على فلان ألف وأنا كفيل بها فأنكر فلان طولب الكفيل بها دون فلان فجاز هنا كذلك ، وذلك لأن المشتري لم يلتزمها إنما التزم هذا القدر من الثمن الأجنبي والحكم لا يثبت بلا سبب .




الخدمات العلمية