الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ومن باع عبد غيره بغير أمره وأقام المشتري البينة على إقرار البائع أو رب العبد أنه لم يأمره بالبيع وأراد رد المبيع لم تقبل بينته ) للتناقض في الدعوى ، إذ الإقدام على الشراء إقرار منه بصحته ، والبينة مبنية على صحة الدعوى ( وإن أقر البائع بذلك عند القاضي ) [ ص: 65 ] بطل البيع إن طلب المشتري ذلك ، لأن التناقض لا يمنع صحة الإقرار ، وللمشتري أن يساعده على ذلك فيتحقق الاتفاق بينهما ، فلهذا شرط طلب المشتري . قال رحمه الله : وذكر في الزيادات أن المشتري إذا صدق مدعيه ثم أقام البينة على إقرار البائع أنه للمستحق تقبل . وفرقوا أن العبد في هذه المسألة في يد المشتري . وفي تلك المسألة [ ص: 66 ] في يد غيره وهو المستحق ، وشرط الرجوع بالثمن أن لا يكون العين سالما للمشتري .

التالي السابق


( قوله ومن باع عبد غيره بغير أمره ) قوله بغير أمره وإن وقع في الجامع الصغير فليس من صورة المسألة ، بل صورتها : باع عبد غيره من رجل فأقام ذلك المشتري بينة على إقرار البائع أنه لم يأمره مالكه ببيعه أو أقام على قول رب العبد ذلك وأراد بذلك رد العبد فإن هذه البينة لا تقبل للتناقض على الدعوى ، إذ الإقدام على الشراء دليل دعواه صحته ، وأنه يملك بيعه ودعواه إقراره بعدم الأمر يناقضه ، إذ هو دليل أنه لم يصح ولم يملك البائع البيع وقبول البينة يبنى على صحة الدعوى فحيث لم تصح لم تقبل ; ولو لم تكن بينة بل ادعى البائع بعد البيع أن صاحبه لم يأمره ببيعه وقال المشتري أمرك أو ادعى المشتري عدم الأمر فالقول لمن يدعي الأمر لأن الآخر مناقض ، إذ إقدامه على البيع أو الشراء دليل اعترافه بالصحة وقد ناقض بدعواه عدم الأمر ، بخلاف الآخر ، ولذا ليس له أن يستحلفه لأن الاستحلاف يترتب على الدعوى الصحيحة لا الباطلة .

ذكره في شرح الزيادات ، بخلاف ما لو أقر البائع عند القاضي بذلك حيث يحكم بالبطلان ، والرد إن طلب المشتري ذلك لأن التناقض لا يمنع صحة الإقرار ولذا صح إقراره بالشيء بعد إنكاره إياه ، إلا أن الإقرار حجة قاصرة : يعني إنما ينفذ في حق المقر خاصة ، فإذا وافقه المشتري نفذ عليهما فلذا شرط طلب المشتري حتى يكون نقضا باتفاقهما لا بمجرد إقرار البائع ، والمراد بفسخ القاضي أنه يمضي إقرارهما لا أن الفسخ يتوقف على القضاء وفروعها أن صاحب العبد إذا حضر وصدقهما نفذ الفسخ في حقه [ ص: 65 ] وتقرر ، وإن كذبهما وقال كنت أمرته كان القول قوله لما ذكرنا أن إقدامهما إقرار منهما بالأمر فلا يعمل رجوعهما في حقه ، ويغرم البائع الثمن له ويكون المبيع للبائع لا له ، ويبطل عن المشتري الثمن للآمر في قول أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف يبقى في ذمة المشتري للآمر ويرجع المشتري على البائع بمثل الثمن بناء على أن الوكيل بالبيع يملك إبراء المشتري عن الثمن عند أبي حنيفة ومحمد ، ويملك الإقالة بغير رضا الآمر .

وعلى قول أبي يوسف لا يملك ( قوله وذكر في الزيادات ) إلى آخره . صورة مسألة الزيادات : اشترى جارية وقبضها ونقد الثمن ثم ادعاها مستحق كان المشتري خصما لأنه يدعيها لنفسه ، فإن أقر بها للمدعي أمر بتسليمها ولا يرجع بالثمن على بائعه ، لأن إقراره بها له لا يكون حجة على البائع ، وكذا لو جحد دعواه فحلف فنكل فقضى عليه بالنكول لأن نكوله ليس حجة على غيره لأنه كإقراره . فرق بين هذا وبين الوكيل بالبيع إذا رد عليه بعيب يحدث مثله بإقراره لا يلزم الموكل ، وإن رد عليه بنكوله يلزمه كرده بالبينة ، لأن المشتري مختار في النكول لأنه امتنع عن اليمين مع وجود ما يطلق له الحلف وهو البيع الذي هو ظاهر في الملك ، لو كان مضطرا فالاضطرار إنما لحقه بعمل باشره بنفسه فلا يظهر حكم نكوله في حق الغير .

أما الوكيل فمضطر في النكول إذ لم يوجد ما يطلق له الحلف فإن غير المالك يخفى عليه عيب ملك المالك . ولو قال المشتري أنا أقيم البينة أنها للمستحق لأرجع على البائع لا يلتفت [ ص: 66 ] إليه لأنه مناقض في دعواه ، لأن إقدامه على الشراء إقرار منه بملك البائع وبصحة البيع ، وبهذه البينة ناقض فرق بين هذا وبين ما ذكر في المأذون .

رجل اشترى عبدا وقبضه ونقد الثمن ثم أقام البينة أن البائع باع العبد قبل ذلك من فلان الغائب بكذا قبلت بينته مع أنه مناقض ساع في نقض ما تم به .

والثانية ما روى ابن سماعة عن محمد : إذا وهب لرجل جارية فاستولدها الموهوب له ثم أقام الواهب بينة أنه كان دبرها أو استولدها قبلت بينته فيرجع على الموهوب له بالجارية والعقر وقيمة الولد مع أنه مناقض ساع في نقض ما تم به وفرق أما في مسألة الواهب فالفرق أن تناقضه فيما هو من حقوق الحرية كالتدبير والاستيلاد ، والتناقض فيه لا يمنع صحة الدعوى . وعندي أن هذا غير صحيح لأن التناقض إنما قبل في دعوى الحرية لأنهما مما قد يخفى على المتناقض المدعي بها بعد إقراره بالرق والفاعل بنفسه للتدبير مثلا ، والاستيلاد لا يخفى عليه فعل نفسه من استيلاده ووطئه فيجب أن لا يقبل تناقضه ولا يحكم ببينته .

وأما في مسألة المأذون فبأنه لو أقام البينة على البيع من الغائب قبل البيع منه فقد أقامها على إقرار البائع أنه ملك الغائب لأن البيع إقرار من البائع بانتقال الملك إلى المشتري . ثم مسألة الاستحقاق لو أقامها على إقرار البائع أنها للمستحق قبلت لأنه يثبت لنفسه حق الرجوع على البائع بإقراره ، وهو خصم في ذلك ويثبت ما ليس بثابت وهو إقرار البائع ، ولو كان مناقضا فالتناقض يرتفع بتصديق الخصم وهو يثبت بهذا تصديق الخصم .

ويجوز أن تقبل البينة على إقرار الخصم ولا تقبل على نفس الحق ، كما قال علماؤنا فيمن في يده عبد فادعاه رجل فأقام صاحب اليد البينة أنه لفلان الغائب لا تقبل بينته ما لم يدع الوصول إليه من جهة الغائب . ولو أقامها على إقرار المدعي تقبل وإن لم يدع الوصول إليه من جهته .

وفرق في شرح الزيادات بين هذا وبين مسألة الجامع المذكورة في الهداية ، وهو أنه لا تقبل بينة المشتري على إقرار البائع أنه لم يأمره ، كما لا تقبل على دعواه أنه لم يأمره بأنه وضع المسألة في الجامع فيما إذا كان المبيع في يد المشتري فهو سالم له من حيث الظاهر ، وسلامة المبيع من حيث الظاهر تمنع الرجوع بالثمن فلا يكون مدعيا حق الرجوع .

وفي الزيادات : وضع فيما إذا أخذت الجارية من يد المشتري فكان مدعيا لنفسه حق الرجوع ، قال : ولا يقال في مسألة المأذون المبيع في يد المشتري ، ومع هذا قبلت بينته . لأنا نقول ذلك محمول على ما إذا أخذ العبد من يده ، وهذا هو فرق المصنف ، وهو منظور فيه بأن وضع مسألة الزيادات أيضا في أن الجارية في يد المشتري كما أسمعتك ، فالأولى ما ذكر في الفوائد الظهيرية عن بعض المشايخ أن مسألة الجامع محمولة على أن المشتري أقام البينة على إقرار البائع قبل البيع ، أما إذا أقامها على إقراره بعد البيع أن رب العبد لم يأمره بالبيع فتقبل لأن إقدام المشتري على الشراء يناقض دعواه إقرار البائع بعدم الأمر قبل البيع ، ولا يناقض دعواه إقراره بعدم الأمر بعد البيع .

قال : ومسألة [ ص: 67 ] الزيادات محمولة على هذا أيضا فتقع الغنية عن التفرقة بين المسألتين انتهى .

وقيل مسألة الجامع محمولة على إقرار البائع أو رب العبد قبل البيع فلم تقبل للتناقض والزيادات على الإقرار بعد البيع فلم يلزم التناقض فقبلت . ومما يناسب المسألة : باع عبد غيره بلا أمره ثم اشتراه من مولاه ثم أقام البائع البينة أنه اشترى العبد من مولاه بعد بيعه أو ورثه بعد البيع قال محمد : تقبل بينته ويبطل البيع الأول . ومن فروع مسألة الاستحقاق على ما في شرح الزيادات ما لو قال المشتري للقاضي سل البائع أن الأمة للمستحق أو ليست له ؟ أجابه القاضي إلى ذلك لأنه يدعي أنه مظلوم وله حق الرجوع عليه بالثمن بإقراره ، فيسأله القاضي فإن أقر بذلك ألزمه الثمن ، وإن أنكر وطلب المشتري تحليفه أجابه القاضي إلى ذلك .

فمنهم من قال إنما يحلفه لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه ، فإذا جحد يستحلف كما في سائر الدعاوى ، فإنه قيل نعم هو كذلك لكنه مناقض لأن شراءه إقرار منه بصحته ودعواه أنه ملك المستحق إنكار ذلك ولهذا لا تقبل بينته ، وكما لا تقبل البينة إلا بعد دعوى صحيحة لا يستحلف إلا بعد دعوى صحيحة . دل عليه ما في المأذون : اشترى عبد شيئا ثم قال أنا محجور وقال البائع مأذون فأراد العبد أن يقيم البينة على ما ادعى لا تقبل ولا يستحلف خصمه ، وإن أقر به البائع يلزمه .

وذكر في الجامع أن المشتري لو أراد استحلاف البائع أنك ما بعته من فلان قبل أن تبيعه مني لم يكن له ذلك ، وإن أقر به البائع يلزمه .

والجواب أن في مسألتنا المشتري غير مناقض من كل وجه لأنه لا ينكر العقد أصلا ولا الثمن ، فإن بيع مال الغير منعقد وبدل المستحق مملوك ، وإنما ينكر وصف العقد وهو اللزوم بعد الإقرار من حيث الظاهر فكان متناقضا من وجه دون وجه ، فجعلناه مناقضا في حق البينة ولم نجعله مناقضا في حق اليمين ليكون عملا بهما ، والعمل على هذا الوجه أولى لأن البينة حجة متعدية ، فلو لم نجعله مناقضا في حقها يلزمنا أن لا نجعله مناقضا في حق اليمين بطريق الأولى ، بخلاف مسألة المأذون لأن العبد منكر لحكم العقد أصلا ، لأن شراء المحجور لا يوجب ملك الثمن فكان مناقضا من كل وجه ، وبخلاف مسألة الجامع لأن ثمة المبيع في يد المشتري فلا يكون له حق الخصومة ، وهذا على طريق الموافقة للمصنف في الفرق قال : ولو لم تستحق الجارية ولكن ادعت أنها حرة الأصل ، فإن أقر المشتري بذلك أو استحلف فنكل وقضى القاضي بحريتها لم يرجع المشتري على البائع .

أما حرية الجارية فلأنها كانت له من حيث الظاهر فصح إقراره ولا يرجع على البائع لأن نكوله وإقراره حجة عليه دون غيره . منهم من قال قوله فاستحلف فنكل غلط من الكاتب لأن الاستحلاف لا يجري في دعوى الرق في قول أبي حنيفة .

وعندهما يجري إلا أن اليمين تكون على الأمة فلا معنى لقوله فأبى المشتري اليمين ، ومنهم من قال : بل هو صحيح لأن موضوع المسألة فيما إذا بيعت الأمة وسلبت فانقادت لذلك فانقيادها كإقرارها بالرق فدعواها الحرية كدعوى العتق العارض فيكون الثمن على المشتري لأن الظاهر شاهد له ، فلو أن المشتري أقام البينة على البائع أنها حرة قبلت بينته ويرجع عليه بالثمن . فرق بين هذا وبين الاستحقاق من وجهين : أحدهما أنه ليس بمناقض في فصل الحرية لأنه فيها يظهر بينته أنه أخذ الثمن بغير حق ، وذلك دين عليه لأن الحرية تنفي انعقاد العقد وملك اليمين للبائع ، فكانت البينة مظهرة أن إقدامه على الشراء لم يكن إقرارا بانعقاد العقد فلا يتحقق التناقض .

أما الاستحقاق فلا يمنع انعقاد العقد ولا ملك الثمن للبائع ، فلو قبلنا بينة المشتري أنها للمستحق لا يظهر ببينته أنها للمستحق لأن إقدامه على الشراء إقرار بملك اليمين للبائع ، ومع بقاء ذلك الإقرار يتحقق التناقض ويصير مكذبا شهوده ساعيا في نقض ما تم به . والوجه الثاني أنه مناقض في الفصلين ، إلا [ ص: 68 ] أن هذا تناقض لا يحتمل النقض فلا يمنع صحة الدعوى ; كما لو تزوج امرأة ثم أقامت البينة أنها أخته من الرضاع أو أقامت البينة أنه طلقها ثلاثا ثم تزوجها قبل أن تنكح غيره ، وكذا لو أعتق عبده على مال ثم أقام العبد البينة أنه أعتقه قبل ذلك قبلت .

واختلف أصحابنا رحمهم الله فيمن باع أرضا ثم أقام بينة أنه باع ما هو وقف . منهم من قال لا يقبل لأنه يحتمل الفسخ فصار كالبيع .

ومنهم من قال تقبل لأنه لا يحتمل الفسخ بعد القضاء فصار بمنزلة التدبير ونحوه . وذكر أبو بكر الرازي رحمه الله إنما تقبل بينة المشتري أنها حرة لأنها شهادة قامت على حرمة الفرج فتقبل من غير دعوى ، حتى لو كان مكان الأمة عبد على قول أبي حنيفة لا تقبل ، وعلى قولهما تقبل لأنها شهادة على عتق العبد فلا تقبل من غير دعوى ، والتناقض يمنع الدعوى .

ولو ادعى المستحق أنها أمته أعتقها أو دبرها أو ولدت منه فأقر المشتري بذلك أو أبى اليمين وقضى عليه لا يرجع على البائع بالثمن لما قلنا ، فإن أقام المشتري البينة على البائع بذلك ، إن شهد الشهود على أن ذلك كان قبل الشراء قبلت بينته ويرجع عليه بالثمن لأنه يثبت ببينته أنها لم تدخل في العقد فكان مدعيا للدين فلا يكون مناقضا ، فإن شهدوا على أن ذلك كان بعد الشراء بينهما لا تقبل بينته لأنها وقت العقد كانت مملوكة محلا للعقد ، والإعتاق المتأخر لا يبطل الشراء السابق .




الخدمات العلمية