الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثالث في شربه صلى الله عليه وسلم قاعدا كثيرا وشربه قائما ،

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : في شربه قاعدا وقائما .

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد بسند جيد عن علي رضي الله تعالى عنه ، ومحمد بن أبي عمر وابن أبي شيبة عن ميسرة عن علي رضي الله تعالى عنه قال : لئن شربت قائما ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب قائما وإن شربت قاعدا لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب قاعدا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما وقاعدا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات وأبو الشيخ وأبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما وقاعدا .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في شربه قائما للجواز .

                                                                                                                                                                                                                              روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم فشرب وهو قائم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى برجال ثقات عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب قائما .

                                                                                                                                                                                                                              وروى محمد بن عمر وابن أبي شيبة عن ميسرة رحمه الله تعالى قال : رأيت عليا رضي الله تعالى عنه يشرب قائما ، فقلت له : تشرب قائما ؟ قال : إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما ، وإن أشرب قاعدا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قاعدا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، والطبراني عن أبي هريرة وأحمد من طريق آخر عنه برجال ثقات عن سعد بن أبي وقاص ، والبزار ، وأبو يعلى برجال الصحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه ، والطبراني برجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري ، [ ص: 237 ] والبخاري عن علي ، وأبو بكر الشافعي عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب قائما .

                                                                                                                                                                                                                              وروي نهيه عن الشرب قائما .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائما .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسدد والإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار برجال ثقات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يشرب قائما ، قال : «قئ» ، قال : لم ؟ قال : «أتحب أن يشرب معك الهر ؟ » قال : لا ، قال : «قد شرب معك شر منه الشيطان» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو يعلم الذي يشرب قائما ما يجعل في بطنه لاستقاء» .

                                                                                                                                                                                                                              تنبيه

                                                                                                                                                                                                                              لا يكون مكروها بل البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم . وقوله قئ محمول على الاستحباب ، والندب ، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقايأ للأحاديث الصحيحة ، قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى ، ومن نظم الحافظ رحمة الله تعالى عليه :


                                                                                                                                                                                                                              إذا رمت تشرب فاقعد تقر بسنة صفوة أهل الحجاز     وقد صححوا شربه قائما
                                                                                                                                                                                                                              ولكنه لبيان الجواز

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن القيم في الهدي : من هديه صلى الله عليه وسلم الشرب قاعدا ، كان هديه المعتاد ، وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائما ، وصح عنه أنه شرب قائما ، فقالت طائفة : لا تعارض بينهما أصلا ، فإنما شرب قائما للحاجة فإنه جاء إلى زمزم ، وهم يستقون منها ، فاستقى فناوله الدلو فشرب وهو قائم ، وهذا كان موضع الحاجة .

                                                                                                                                                                                                                              وللشرب قائما آفات عديدة : منها أنه لا يحصل الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء ، وينزله بسرعة وحدة إلى المعدة ، فيخشى منه أن يبرد حرارتها ، ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج ، وكل هذا يضر بالشارب ، فأما إذا فعله نادرا أو لحاجة فلا ، ولا يعترض على هذا بالعوائد فلها طبائع ثوان ، ولها أحكام أخرى ، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء رحمهم الله تعالى . [ ص: 238 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية