الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              التنبيه الخامس : اختلف في قدر العذبة على أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : قدر أربع أصابع أو نحوها ، وهو أكثر ما ورد في ذلك وأمثل إسنادا .

                                                                                                                                                                                                                              روى الطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه على سرية فأصبح عبد الرحمن وقد اعتم بعمامة من كراديس سوداء .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : إلى موضع الجلوس حكاه شراح الكنز .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : إلى الكعبين .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو موسى المدني عن خطاب الحمصي قال : حدثنا بقية بن الوليد عن مسلم بن زياد القرشي رضي الله تعالى عنه قال : رأيت أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبهر بن مالك ، وأبا المنبعث ، وفضالة بن عبيد ، وروح بن سيار أو سيار بن روح رضي الله تعالى عنهم يلبسون العمائم ويرخونها من خلفهم ، وثيابهم إلى الكعبين ، قلت : تحرر هل المراد الثياب إلى الكعبين أو العذبة ؟ .

                                                                                                                                                                                                                              السادس : قال الحافظ الذهبي في أحاديث اعتمامه بعمامة صفراء : لعل ذلك قبل أن ينهى عنه ، وسيأتي بيان هذا في نوع ما لبس من الألوان .

                                                                                                                                                                                                                              السابع : فيما قيل من إدخال طرفها في العمامة .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو موسى المدني رحمه الله تعالى عن الحسن بن صالح عن أبيه قال : رأيت على الشعبي عمامة بيضاء قد أدخل طرفها فيها .

                                                                                                                                                                                                                              قال الشيخ إبراهيم القدري رحمه الله تعالى : لم أقف على نقل في إدخال العذبة في العمامة ، ولا نقل عن أحد من السلف إلا ما نقلوا عن الشعبي .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو عبيدة في الأمر بالتلحي والنهي عن الاقتعاط- أصل هذا في لبس العمائم ، وذلك أن العمامة يقال لها : المقطة فإذا لبسها المعتم على رأسه ، ولم يجعلها تحت الحنك قيل اقتعطها ، فهو المنهي عنه ، فإذا أدارها تحت الحنك قيل : تلحاها ، وهو المأمور بها ، وكان طاوس رحمه الله تعالى يقول تلك عمة الشيطان يعني الأولى .

                                                                                                                                                                                                                              التاسع : التلحي سنة فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسلف الصالح .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام مالك رحمه الله تعالى : أدركت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين محنكا أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أمينا ، وفي لفظ لو استسقي بهم القطر لسقوا . [ ص: 281 ]

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو عبد الله بن الحاج أحد أئمة المالكية بعد أن نقل كلام أئمة اللغة رحمهم الله تعالى في معنى الاقتعاط : قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله تعالى : سئل مالك رضي الله تعالى عنه عن المعتم ، ولا يدخل تحت ذقنه من العمامة شيئا ، فكره ذلك ، قال القاضي أبو الوليد : إنما كره ذلك مالك لمخالفته فعل السلف الصالح .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى : اقتعاط العمائم هو التعميم دون حنك ، وهو بدعة منكرة ، وقد شاعت في بلاد الإسلام ، ونظر مجاهد رضي الله تعالى عنه يوما إلى رجل معتم ولم يحتنك ، فقال : اقتعاط كاقتعاط الشيطان تلك عمة الشيطان ، وعمائم قوم لوط . قال عبد الملك بن حبيب في كتابه الواضحة : ولا بأس أن يصلي الرجل في داره وبيته بالعمامة دون التلحي ، فأما بين الجماعات والمساجد فلا ينبغي ترك الالتحاء ، فإن تركه من بقايا عمائم قوم لوط عليه السلام قال بعضهم : وقد شدد العلماء في الكراهة في ترك التحنيك ، قال صاحب الجواهر وفي المختصر : روى ابن وهب عن مالك رحمه الله تعالى أنه سئل عن العمامة يعتم بها الرجل ، ولا يجعلها تحت حلقه ، فأنكرها ، وقال : إنها من عمل القبط ، قيل له :

                                                                                                                                                                                                                              فإن صلى بها كذلك ؟ قال : لا بأس ، وليست من عمل الناس ، وقال أشهب رحمه الله تعالى :

                                                                                                                                                                                                                              كان مالك رضي الله تعالى عنه إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ، وأسدل طرفها بين كتفيه ، وقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه المدونة : من المكروه ما يخالف زي العرب ، وأشبه زي العجم ، كالتعجم بغير حنك ، قال : وقد روي أنها عمة الشيطان .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى : وسنة العمامة بعد فعلها أن يرخي طرفها ، ويتحنك به ، فإن كان بغير طرف ولا تحنيك ، فذلك يكره عند العلماء ، والأولى أن يدخلها تحت حنكه ، فإنها تقي العنق الحر والبرد ، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل والكر والفر ، وقد أطنب ابن الحاج في المدخل في استحباب التحنك ، ثم قال : وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها ، من تناولها باليمين ، والتسمية ، والذكر الوارد إن كانت مما يلبس جديدا ، أو امتثال السنة في صفة التعميم ، من فعل التحنيك ، والعذبة ، وتصغير العمامة يعني سبعة أذرع أو نحوها ، يخرجون منها التحنيك ، والعذبة ، فإن زاد من العمامة قليلا لأجل حر أو برد ، فيتسامح فيه ، ثم قال : فعليك أن تتعمم قائما وتتسرول قاعدا . [ ص: 282 ]

                                                                                                                                                                                                                              قال الشيخ برهان الدين الباجي حافظ الشام في كتابه قلائد العقيان فيما يورث الفقر والنسيان : إن التعمم قاعدا والتسرول قائما يورثان الفقر والنسيان .

                                                                                                                                                                                                                              وقال بعض العلماء رحمهم الله تعالى : السنة في العمامة أن يسدل طرفها إن شاء أمامه ، وإن شاء بين يديه ، وإن شاء خلفه بين كتفيه ، قال : ولا بد من التحنك في الهيئتين .

                                                                                                                                                                                                                              وفي كتاب الفروع لابن مفلح والإنصاف للمرداوي رحمهم الله تعالى ، من كتب الحنابلة ، قال غير واحد من الأصحاب : يسن أن تكون العمامة محنكة ، وكره أحمد ، والأصحاب رحمهم الله تعالى لبس زي الأعاجم كعمامة صماء .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى ونفع به في كتابه الغنية : يكره الاقتعاط ، وهو التعمم بغير حنك ، ويستحب التلحي ، ويكره كل ما خالف زي العرب ، وشابه زي العجم .

                                                                                                                                                                                                                              في فتاوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى : النهي عن الاقتعاط محمول على الكراهة لا على التحريم .

                                                                                                                                                                                                                              وقال القرافي - بالقاف وبعد الألف فاء- : إنه ما أفتى به مالك رحمه الله تعالى حتى أجازه سبعون محنكا ، وذلك دليل على أن العذبة دون تحنيك يخرج بها عن المكروه لأن وصفهم بالتحنيك دليل على أنهم قد امتازوا به دون غيرهم ، وإلا فما كان لوصفهم بالتحنيك فائدة ، إذ الكل مجتمعون فيه ، قد كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : إنما المكروه [ ص: 283 ] في العمامة التي ليست بهما فإن كانا معا فهو الكمال في امتثال الأمر ، وإن كان أحدهما فقد خرج به عن المكروه .

                                                                                                                                                                                                                              العاشر : قال شيخ شيوخنا الإمام العلامة الشيخ كمال الدين بن الهمام أحد أئمة السادة الحنفية في كتابه المياسرة : من استقبح من آخر جعل بعض العمامة تحت حلقه كفر ، قاله تلميذه الإمام العلامة كمال الدين بن أبي شريف رحمه الله تعالى في شرحها .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية