الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              تنبيهات :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : استشكل وقوع الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم ، وهو معصوم ، والاستغفار يستدعي وقوع معصية ، وأجيب بأجوبة ، منها : أنه رأى الاشتغال بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة أو مخالطة الناس ، والنظر في مصالحهم ، ومحاربة عدوهم تارة ، ومداراته أخرى ، وتأليف المؤلفة ، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله تعالى ، والتضرع إليه ، ومشاهدته ، ومراقبته - ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي ، وهو الحضور في حظيرة القدس .

                                                                                                                                                                                                                              ومنها : أن استغفاره تشريع لأمته ، أو من ذنوب لأمته ، فهو كالشفاعة لهم .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي : لما كانت روح النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب ، والقلب يستتبع النفس ، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس ، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج ، فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب؛ لئلا تتقطع علاقة النفس عنه ، فيبقى العباد محرومين فكان صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الاستغفار؛ لقصور النفس عن ترقي القلب .

                                                                                                                                                                                                                              ومنها : أن في الاستغفار والتوبة معنى لطيفا ، وهو استدعاء لمحبة الله تعالى ، فإحداثه الاستغفار والتوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : الغين ، قال شعبة : سألت الأصمعي ما معنى : ليغان على قلبي ؟ فقال : عمن يروى ذلك ؟ قلت : عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو كان قلب غير النبي صلى الله عليه وسلم لفسرته ، وأما قلبه صلى الله عليه وسلم فلا أدري ، كان شعبة يتعجب منه ، وسئل أبو عبيدة عنه فلم يفسره .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الجنيد : لولا أنه حال النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمت فيه ، ولا يتكلم على حال إلا من كان [ ص: 63 ] مشرفا عليها ، وجملة حاله لا يشرف على نهايتها أحد من الخلق .

                                                                                                                                                                                                                              ونقل الإمام الرافعي رحمه الله تعالى في أماليه عن سيدنا الصديق رضي الله تعالى عنه ، أنه مع علو مرتبته تمنى أن يشرف عليها ، فقال : ليتني شهدت ما استغفر منه صلى الله عليه وسلم انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              وتكلم في معناه آخرون بحسب ما انتهى إليه فهمهم ، ولهم منهجان : أحدهما حمل الغين على حالة جميلة ، ومرتبة عالية اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد من استغفاره : خضوعه ، وإظهار حاجته إلى ربه ، وملازمته للعبودية .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو سعيد الخراز فيما نقله عنه الإمام الرافعي : الغين شيء لا يجده إلا الأنبياء ، وأكابر الأبرار والأولياء؛ لصفاء أسرارهم ، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم .

                                                                                                                                                                                                                              قال الرافعي : وحمله على عارض غيره أكمل منه ، فيبادر إلى الاستغفار ، وعلى هذا كثرت التنزيلات والتأويلات ، فقيل : كان سبب الغين النظر في حال الأمة ، واطلاعه على ما يكون منهم ، فكان يستغفر لهم .

                                                                                                                                                                                                                              وقيل : سببه ما يحتاج إليه من التبليغ ، ومشاهدة الخلق ، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              وقيل : ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم . وقيل : ما كان يجده من محبة إسلام أبي طالب . وقيل : لم يزل صلى الله عليه وسلم مترقيا من رتبة إلى رتبة ، فكلما رقي درجة التفت إلى ما خلفها ، وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها ، وذلك هو الغين ، فيستغفر منه ، قال : وهذا ما كان يستحسنه والدي رحمه الله تعالى ويقرره .

                                                                                                                                                                                                                              ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان ، قال البيهقي في الشعب : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سهل ، يعني الصعلوكي أحد أئمة الشافعية يقول : في قوله : «ليغان على قلبي» وأيد أن أحدهما يختص به أهل الإشارة ، وهو حملهم إياه على غشية السكرة التي هي الصحو في الحقيقة ، ومعنى الاستغفار على التجسر للكشف [ ص: 64 ] عنها ، وأهل الظاهر يحملونها على الخطرات العارضة للقلب ، والطلبات الواردة الشاغلة له بهذه الغشية الملابسة .

                                                                                                                                                                                                                              وقال القاضي : هو ما يستغشي القلب ، ولا يغطيه كل التغطية ، كالغيم الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس .

                                                                                                                                                                                                                              ثم لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة ، وإنما هذا عدد الاستغفار لا الغين ، فيكون المراد بهذا الغين الإشارة إلى غفلات قلبه ، وفترات نفسه ، وسهوها عن مداومة الذكر ، ومشاهدة الحق ، لما كان صلى الله عليه وسلم عليه من مقامات البشر ، وسياسة الأمة ، ومعاناة الأهل ، ومقاومة الولي والعدو ، ومصلحة النفس ، وأعباء الرسالة ، وحمل الأمانة ، وهو في هذا كله في طاعة ربه ، وعبادة خالقه ، ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند الله تعالى مكانة ، وأعلاهم درجة ، وأتمهم به معرفة ، وكانت حاله عند خلوص قلبه ، وخلو همه ، وتفرده بربه أرفع حاليه ، رأى حاله فترته عنها ، وشغله بسواها ، غمضا من علي حاله ، ورفيع مقامه ، فاستغفر من ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي : لا تعتقد أن الغين حالة نقص ، بل هو حالة كمال ، ثم مثل بجفن العين حين يسيل الدمع القذى عن العين مثلا ، فإنه يمنع العين عن الرؤية ، فهو من هذه الحيثية نقص ، وفي الحقيقة هو كمال . هذا محصل كلامه بعبارة طويلة ، قال : فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأخيار ، فدعت الحاجة إلى ستر حدقة بصيرته؛ صيانة لها ، ووقاية عن ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              وقيل : هو حالة الخشية ، وإعظام الاستغفار شكرها ، ومن ثم قال المحاسبي : خوف المقربين خوف إجلال وإعظام ، وقيل : هو السكينة التي تغشى قلبه ، والاستغفار لإظهار العبودية والشكر لما أولاه .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر ابن عطاء الله في كتاب لطائف المنن : أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي -قدس الله سره- قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن حديث : «إنه ليغان على قلبي» فقال : «يا مبارك ذلك غين الأنوار» .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية