الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولما كان القبض الضعيف لا يكفي في جواز بيع الطعام أشار له بقوله ( ولم يقبض من نفسه ) كما إذا وكل على شراء طعام فاشتراه وصار بيده ، أو على بيعه فقبضه من الموكل ليبيعه فباعه لأجنبي فيمتنع في الصورتين أن يبيعه لنفسه ولو أذن له موكله [ ص: 153 ] ويمتنع أن يقبضه لنفسه أيضا في دين له على موكله ولو بإذنه ; لأنه في كلا وجهي بيعه لنفسه وقبضه في دينه يقبض من نفسه لنفسه وليس ممن يتولى الطرفين فقبضه كلا قبض فهذه أربع صور ثنتان في وكيل البيع وثنتان في وكيل الشراء ( إلا ) أن يكون القابض من نفسه ممن يتولى طرفي العقد ( كوصي ليتيميه ) ووالد لولديه الصغيرين وسيد لعبديه فيجوز بيع طعام أحدهما للآخر ، ثم بيعه عليه لأجنبي قبل قبضه لمن اشتراه له فتأمله ، ثم صرح بمفهوم و أخذ بكيل بقوله ( وجاز بالعقد ) أي بمجرده من غير قبض ( جزاف ) أي بيع طعام اشتراه جزافا قبل قبضه وصرح بمفهوم المعاوضة بقوله ( وكصدقة ) وهبة لغير ثواب بطعام ، ولو من بيت المال لشخص فيجوز بيعه قبل قبضه من المتصدق ، أو من بيت المال . .

التالي السابق


( قوله ولم يقبض من نفسه ) ليس هذا عطفا على الحال المتقدمة ; لأنها شرط في المنع وما هنا شرط في الجواز بل هي حال من مقدر بعد الاستثناء أي إلا مطلق طعام المعاوضة فيمنع بيعه قبل قبضه حيث أخذ بكيل ويجوز بيعه بعد قبضه حال كونه لم يقبض من نفسه لنفسه ، فإن قبض من نفسه لنفسه منع بيعه ; لأن هذا القبض الواقع بين العقدين كلا قبض ( قوله كما إذا وكل إلخ ) أي وكما لو اشترى طعاما رهنا ، أو وديعة عنده فلا يجوز بيعه معتمدا على قبضه المعنوي بل حتى يكيله بحضرة ربه ; لأن قبضه الأول ضعيف ( قوله فباعه لأجنبي ) راجع للصورة الثانية فقط أي وقبل قبض الأجنبي له اشتراه الوكيل منه لنفسه فقد باعه الأجنبي قبل قبضه وقبضه الوكيل من نفسه لنفسه ، وأما في الصورة الأولى ، وهي ما إذا وكله على شراء طعام فاشتراه وصار في يده ، ثم باعه لنفسه فقد قبضه من نفسه لنفسه هكذا قيل ، وهو ظاهر الشارح أيضا وفيه أنه يلزم على هذا التصوير للمسألة الأولى أنه لم يتوال فيها عقدتا بيع لم يتخللهما قبض بل تخللهما القبض ; لأن يد الوكيل كيد الموكل فالأولى أن تصور المسألة الأولى بما إذا وكله على شراء طعام فاشتراه وقبضه ، ثم باعه لأجنبي واشتراه منه قبل أن يقبضه ذلك الأجنبي منه فقول الشارح فباعه لأجنبي راجع [ ص: 153 ] لكل من الصورتين أما إذا وكله على شرائه فاشتراه ، ثم باعه لنفسه فليس هذا من صور بيع الطعام قبل قبضه لأن الوكيل قد قبضه قبل بيعه لنفسه ويد الوكيل كيد الموكل فالحق الجواز في هذه كما في طفى وبن ، والحاصل أن في كل من المسألتين إن باعه الوكيل لأجنبي ، ثم اشتراه منه قبل أن يقبضه فإنه يمنع ، وأما إن اشتراه من موكله فإنه يجوز فقد صرحوا بجواز شراء الوكيل إذا كان بإذنه ومنعه مع عدمه ( قوله ويمتنع أن يقبضه ) أي ويمتنع أن يقبض الوكيل الطعام لنفسه أيضا في دين له على موكله أي الذي وكله على بيعه ، أو على شرائه وما ذكره من منع أخذ الوكيل له في دين على موكله فيه نظر ; لأن الوكيل ، وإن كان يقبض من نفسه لنفسه إذا أخذه في الدين لكن ليس هنا توالي عقدتي بيع أصلا فليس هذا من صور بيع الطعام قبل قبضه وشارحنا تبع فيما قاله من المنع التوضيح واعترضه طفي بما تقدم ، ثم قال واستدلال التوضيح على المنع بمسألة المدونة ، وهو أن من له دين الطعام إذا وكله المدين على شرائه وقبضه لنفسه لم يجز ; لأن بيع الطعام قبل قبضه لا يدل له ; لأن من له دين الطعام إذا وكله المدين على شرائه وقبضه لنفسه يتهم على عدم الشراء وأخذ الثمن لنفسه فيكون قد باع به الدين قبل قبضه فليست علة المنع فيها قبضه من نفسه بل اتهامه على بيع ما في ذمة الموكل من الطعام قبل قبضه ( قوله ثنتان في وكيل البيع إلخ ) أي ; لأنه إذا وكله على البيع وقبضه من موكله إما أن يبيعه لأجنبي ، ثم يشتريه من ذلك الأجنبي قبل قبضه له ، وإما أن يأخذه في دين على موكله وإذا وكله على شرائه فاشتراه وقبضه فإما أن يشتريه بعد ذلك من موكله ، أو يأخذه في دين على موكله وظاهر الشرح المنع في الصور الأربعة ، وقد علمت ما فيه .

( قوله فتأمله ) أشار بهذا لقول بعضهم في النفس شيء من جواز هذه المسألة لا سيما والصحيح عند أهل المذهب أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه تعبدي ، فإن لم يكن اتفاق في المسألة على الجواز فالأقرب منعها ا هـ . لكن تعقب ابن عرفة قوله الأقرب منعها بأن ما ذكره ابن الحاجب وابن شاس من الجواز هو ظاهر السلم الثالث من المدونة انظر بن ( قوله جزاف ) أي جاز بيع طعام اشتراه جزافا بمجرد العقد عليه قبل أن يقبضه ، والحاصل أنه إذا اشترى طعاما ، فإن اشتراه على الكيل فلا يجوز له بيعه قبل قبضه لا جزافا ولا على الكيل ، وإن اشتراه جزافا جاز له بيعه قبل أن يقبضه سواء باعه جزافا ، أو على الكيل ( قوله وكصدقة ) أي أن طعام الصدقة والهبة والقرض وما أشبه ذلك من كل طعام ليس معاوضا عليه يجوز بيعه قبل قبضه قال بن ويقيد الجواز بما إذا لم يكن المتصدق اشتراه وتصدق به قبل أن يقبضه ، وإلا فالمتصدق عليه لا يبيعه حتى يقبضه انظر المواق ، وكذا يقال في طعام الهبة والقرض قال في الجلاب من ابتاع طعاما بكيل ، ثم أقرضه رجلا ، أو وهبه له ، أو قضاه لرجل عن قرض كان له عليه فلا يبيعه أحد ممن صار إليه ذلك الطعام حتى يقبضه




الخدمات العلمية