الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وأخذ ) الشفيع إذا تعدد البيع في الشقص ( بأي بيع ) شاء ( وعهدته ) أي درك المبيع من عيب ، أو استحقاق ( عليه ) أي على من أخذ ببيعه أي يكتبها عليه إن لم يعلم قبل الأخذ بالشفعة بتعدد البيع فإن كان حاضرا عالما لم يأخذ إلا ببيع الثاني ; لأن حضوره وعلمه يسقط شفعته من الأول وكذا إذا كثرت البياعات مع حضوره عالما فالأخذ بالأخير فقط ويدفع الثمن لمن بيده الشقص ولو أخذ ببيع غيره فإن اتفق الثمنان فظاهر ، وإن اختلفا فإن كان الأول أكثر كعشرة ، والثاني كخمسة فإن أخذ بالأول دفع للثاني خمسة ودفع الخمسة الأخرى للأول ، وإن كان بالعكس دفع للثاني خمسة ويرجع بالخمسة الأخرى على بائعه ( ونقض ما بعده ) أي ما بعد البيع المأخوذ به ومعنى نقضه تراجع الأثمان ويثبت ما قبله وسواء اتفقت الأثمان ، أو اختلفت فإن أخذ بالأخير ثبتت البياعات كلها ( وله ) أي للمشتري ( غلته ) إلى وقت الأخذ بالشفعة ; لأنه في ضمانه قبل الأخذ بها ، والغلة بالضمان ( وفي ) جواز ( فسخ عقد كرائه ) اسم مصدر بمعنى إكراء أي إكراء المشتري قبل أخذ الشفيع بالشفعة إذا كانت وجيبة ، أو مشاهرة وانتقد الأجرة [ ص: 494 ] وعدم الجواز ، بل يتحتم الإمضاء ( تردد ) الراجح الثاني ، والأجرة ولو بعد الشفعة للمشتري وعلى الأول فالأجرة بعدها للشفيع أي إن أمضاها ( ولا يضمن ) المشتري ( نقصه ) بالصاد المهملة أي ما نقصه الشقص عنده بغير فعله ، بل بسماوي ، أو تغير سوق ، أو بفعله لمصلحة كهدم لمصلحة من غير بناء بدليل ما بعده وسواء علم أن له شفيعا أم لا فإن هدم لا لمصلحة ضمن ( فإن هدم وبني فله قيمته قائما ) على الشفيع لعدم تعديه ( وللشفيع النقض ) بالضاد المعجمة أي المنقوض من حجر ونحوه إذا لم يعده في البناء فإن أعاده ، أو باعه ، أو تصرف فيه بوجه سقط عن الشفيع ما قابل قيمته من الثمن ، ، ثم أجاب رحمه الله تعالى بخمسة أجوبة تبعا للأشياخ عن سؤال ، أورده بعضهم على محمد بن المواز فقال كيف يتصور الأخذ بالشفعة مع دفع قيمة البناء قائما ; لأن الشفيع إن علم بالهدم ، والبناء وسكت فقد سقطت شفعته ، وإلا فالمشتري معتد فله قيمته منقوضا بقوله ( إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله ) غير المفوض إذ المفوض يقوم مقام الغائب وشمل كلامه جوابين الأول : غاب أحد الشريكين ووكل إنسانا في مقاسمة شريكه الحاضر فباع الحاضر فقاسم الوكيل المشتري ولم يأخذ بالشفعة ، وإذا قدم الغائب كان له الأخذ بشفعته ، الثاني غاب الشفيع وله وكيل حاضر على أمواله لا في خصوص الشقص فباع شريك الغائب فلم ير الوكيل الغير المفوض الأخذ للغائب بالشفعة فقاسم المشتري فهدم وبنى ، وأشار للجواب الثالث بقوله ( أو ) قاسم ( قاض عنه ) أي عن الغائب [ ص: 495 ] وكان لا يرى أن القسمة تسقط شفعة الغائب ، أو لم يعلم بأن الغائب تثبت له شفعة ، وإنما قاسم المشتري من حيث إنه شريك الغائب فظن المشتري نفاذها فهدم وبنى وللرابع بقوله ( أو أسقط ) الشفيع ( لكذب ) من غير المشتري ( في الثمن ) وكذا في المشترى بالفتح ، والكسر وللخامس بقوله ( أو ) اشترى الدار كلها ، ثم ( استحق ) منه ( نصفها ) بعد أن هدم وبنى ، وأخذ المستحق النصف الثاني بالشفعة ( وحط ) عن الشفيع من الثمن ( ما حط ) عن المشتري منه ( لعيب ) ظهر في الشقص ( أو لهبة ) من البائع ( إن حط ) الموهوب ( عادة ، أو أشبه الثمن بعده ) أي بعد الحط أن يكون ثمنا للشقص فالثمن بالرفع فاعل أشبه ويجوز نصبه وفاعل أشبه ضمير يعود على الباقي المفهوم من المقام ، وأعاد اللام في لهبة ليرجع الشرط المذكور لما بعدها فإن كان الموهوب مما لا يحط مثله عادة ، أو لم يشبه الباقي أن يكون ثمنا للشقص لم يحط عن الشفيع شيء .

التالي السابق


( قوله أي درك المبيع ) أي ضمان المبيع أي ضمان ثمن الشقص المبيع إذا ظهر في المبيع عيب ، أو حصل فيه استحقاق ( قوله أي يكتبها إلخ ) أشار بذلك إلى أن في كلام المصنف حذف مضاف أي وكتب عهدته عليه ، ثم إنه ليس المراد أنه يكتب أن ضمان ذلك الشقص إذا استحق ، أو ظهر به عيب من فلان ، بل المراد أنه يكتب في وثيقة الشراء اشترى فلان من فلان الشقص الكائن في محل كذا ، ومن لوازم الشراء منه ضمانه للثمن إذا استحق أو ظهر به عيب ( قوله إن لم يعلم ) أي ، أو علم ولكن كان غائبا ، وهذا شرط في قوله ، وأخذ بأي بيع شاء وكتب العهدة على من أخذ بثمنه .

وحاصل كلام الشارح أن محل كون الشفيع يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات إذا لم يعلم بتعددها أو علم ، وهو غائب .

وأما إن علم بها وكان حاضرا فإنما يأخذ بشراء الأخير ; لأن سكوته مع علمه بتعدد البيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير فإنه غير راض بشركته فلذا كان له الأخذ منه لتجدد ملكه على ملكه .

( قوله ; لأن حضوره وعلمه يسقط شفعته ) أي وصار شريكا للثاني ( قوله ويدفع الثمن لمن بيده الشقص ) أي ويدفع الشفيع الثمن لمن بيده الشقص ، وهو المشتري الأخير وقوله ويدفع إلخ مرتبط بكلام المصنف ( قوله فإن اتفق الثمنان ) أي ثمن البيع الذي أخذ به وثمن من بيده الشقص ، وهو المشتري الأخير ( قوله فإن أخذ بالأول إلخ ) أي ، وإن أخذ بالثاني دفع الخمسة للثاني ( قوله ، وإن كان بالعكس ) أي بأن كان الأول خمسة ، والثاني عشرة أي ، وأخذ بالأول دفع للثاني خمسة ويرجع الثاني بالخمسة الأخرى على بائعه فيكمل له العشرة التي اشترى بها .

وأما إن أخذ بالثاني دفع العشرة للثاني ولا يرجع على بائعه ولا يرجع عليه بائعه بشيء ( قوله تراجع الأثمان ) أي فكل من كان شراؤه منقوضا يرجع بثمنه على بائعه .

( قوله ويثبت ما قبله ) أي من البياعات لإجازة الشفيع له بإجازة الذي أخذ به ، وهذا بخلاف الاستحقاق إذا تداول الشيء المستحق الأملاك فإن المستحق إذا أجاز بيعا صح ما بعده من البياعات ونقض ما قبله منها ، والفرق أن المستحق إذا أجاز بيعا أخذ ثمنه وسلم في الشيء المستحق فمضى ما انبنى على ما أجازه .

وأما الشفيع فإذا اعتبر بيعا وعول عليه أخذ نفس الشقص لنفسه ودفع الثمن فلا يصح التصرف فيما أخذ ( قوله فإن أخذ بالأخير ثبتت البياعات ) أي ، وإن أخذ بالأول نقض الجميع ، وإن أخذ بالوسط صح ما قبله ونقض ما بعده ( قوله وله غلته ) أي غلة الشقص التي استغلها قبل أخذه بالشفعة إلى وقت الأخذ بها وظاهره ولو علم أن له شفيعا ، وأنه يأخذ بالشفعة ; لأنه مجوز لعدم أخذه فهو ذو شبهة ( قوله وفي فسخ عقد كرائه ) أي بناء على أن الأخذ بالشفعة استحقاق ومن المعلوم أن من استحق دارا مثلا فوجدها مكتراة كان له أخذها ونقض الكراء ويرجع المكتري بأجرته على المكري وله إمضاء الكراء وتكون الأجرة له وظاهره ولو لم يعلم المشتري عند إكرائه أن له شفيعا ( قوله وانتقد الأجرة ) أي ، وأما لو كان مشاهرة ولم ينتقد .

[ ص: 494 ] اتفق على الفسخ ( قوله وعدم الجواز ، بل يتحتم الإمضاء إلخ ) أي بناء على أن الأخذ بالشفعة بيع ومن المعلوم أن من اشترى دارا مكتراة فلا يفسخ كراؤها ، والأجرة لبائعها ولا يقبضها المشتري إلا بعد مضي الكراء لكن لا بد أن يكون الباقي من أمد الكراء لا يزيد على القدر الذي يجوز تأخيرها إليه ابتداء ، وهو سنة فإن زاد كان له فسخ الكراء ، وأخذها ، كذا قال عبق ، قال بن والتقييد بهذا أحد الطريقتين ، وقال بعضهم يتحتم إمضاؤه ولو طال ما بقي من أمد الكراء كعشرة أعوام وعليه اقتصر في المج ( قوله والأجرة ولو بعد الشفعة للمشتري ) أي على القول الثاني المبني على أن الأخذ بالشفعة بيع ( قوله فالأجرة بعدها للشفيع ) أي .

وأما أجرة المدة التي قبلها فهي للمشتري قطعا لأنها غلة ( قوله ، بل بسماوي ) أي بأن نزل عليه مطر فهدم شيئا منه ، أو سقط شيء منه بزلزلة ( قوله كهدم لمصلحة ) أي بأن هدم ليبني ، أو لأجل توسعة فإن شاء الشفيع أخذه مهدوما بكل الثمن ، وإن شاء تركه للمشتري ( قوله فإن هدم لا لمصلحة ) أي ، بل عبثا وقوله ضمن أي فيحط عن الشفيع من الثمن بنسبة ما نقصته قيمة الشقص بالهدم عن قيمته سليما سواء هدمه عالما أن له شفيعا أم لا ، ولا يقال كيف يضمن مع أنه لم يتصرف إلا في ملكه لأنه لما أخذ الشفيع بشفعته علم بأخرة الأمر أنه ليس ملكه ( قوله فإن هدم ) أي المشتري لمصلحة وقوله وبنى أي بغير أنقاضه وقوله فله أي للمشتري قيمته أي قيمة البناء بمعنى الأنقاض وقوله قائما أي مبنية أي فله قيمة الأنقاض مبنية زيادة على الثمن الذي وقع به الشراء ( قوله ، أو تصرف فيه بوجه ) أي كأن أهلكه ، أو وهبه ( قوله سقط عن الشفيع إلخ ) أي فيغرم قيمة البناء قائما مع ما قابل قيمة الأرض من الثمن ويسقط عنه ما قابل قيمة النقض من الثمن فيقال ما قيمة العرصة بلا بناء وما قيمة النقض مهدوما ويفض الثمن الذي اشترى به المشتري عليهما فما قابل العرصة من ذلك دفعه الشفيع للمشتري زيادة على قيمة البناء قائما وما قابل النقض من ذلك فإنه يحط عنه وتعتبر قيمة النقض يوم الشراء كما في بن عن المدونة .

( قوله تبعا للأشياخ ) فيه إشارة إلى أن تلك الأجوبة ليست لابن المواز المسئول ، بل لبعض تلامذته وغيرهم من الأشياخ وزاد بعضهم جوابا سادسا ، وهو أنه يمكن عدم علم كل من المشتري ، والشفيع بالآخر بأن يظن المشتري أن بائعه يملك جميع الدار ولم يعلم الشفيع بالهدم إلا بعد البناء ولا تعدي حينئذ فقول السائل ، وإلا يعلم الشفيع بالبناء ، والهدم فالمشتري متعد فله قيمته منقوضا ممنوع ( قوله ، أو رده بعضهم ) ذلك البعض من المصريين أورد هذا السؤال على ابن المواز حين كان يقرأ في جامع عمرو ( قوله ، وإما لغيبة إلخ ) أي فللمشتري قيمة بنائه قائما إما لأجل غيبة شفيعه أي شفيع المشتري أي الشفيع الذي يأخذ منه فالإضافة لأدنى ملابسة ( قوله فقاسم وكيله ) وكيله بالرفع فاعل قاسم ، والضمير للشفيع ، والمفعول محذوف أي فقاسم وكيله المشتري ( قوله فإذا قدم الغائب ) أي بعد أن هدم المشتري وبنى بغير أنقاضه ( قوله كان له الأخذ بشفعته ) أي ويدفع قيمة بناء المشتري قائما ; لأنه غير متعد ( قوله على أمواله ) متعلق بمحذوف صفة لوكيل أي وله وكيل وكله على أمواله أي على النظر لها والتصرف فيها ( قوله فهدم وبنى ) أي فإذا قدم الشفيع كان له الأخذ بالشفعة ويدفع [ ص: 495 ] للمشتري قيمة بنائه قائما ، وكذا يقال فيما بعده ( قوله وكان لا يرى ) أي بأن كان حنفيا ( قوله ، أو لم يعلم إلخ ) أي لأنه لو علم القاضي بأن لذلك الغائب شفعة لم يجز له أن يقسم عليه ولو قسم لم يتقرر له شفعة إذا قدم ( قوله نفاذها ) أي القسمة ( قوله فهدم وبنى ) أي فإذا قدم الشفيع كان له الأخذ بالشفعة ويدفع للمشتري قيمة بنائه قائما ( قوله ، أو أسقط الشفيع لكذب ) أي فهدم المشتري وبنى فلما تبين للشفيع الكذب ، وأن إسقاطه لشفعته للكذب لا يعتبر أراد الأخذ بالشفعة فله ذلك ويدفع للمشتري قيمة بنائه قائما ( قوله من غير المشتري ) أي .

وأما لو كان أسقط شفعته لكذب في الثمن من المشتري ، ثم إن المشتري هدم وبنى فإن الشفيع إذا علم بكذبه ، وأراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة فإنه يدفع له قيمة بنائه منقوضا ( قوله النصف الثاني ) أي فإنه يدفع له قيمة بنائه قائما ( قوله لعيب ) أي لأجل عيب اطلع عليه المشتري في الشقص فإذا اشترى الشقص بمائة ، ثم اضطلع فيه على عيب فحط عنه البائع لأجله عشرة فإنها تحط عن الشفيع ويدفع للمشتري تسعين فقط ( قوله ، أو لهبة من البائع ) أي للمشتري إذا جرت العادة بحطيطة ذلك القدر من الثمن بين الناس كأن تجري العادة أن من باع شيئا بمائة يهب للمشتري من الثمن عشرة أي يحطها عنه ( قوله ، أو أشبه إلخ ) أي ، أو لم تجر العادة بالحط لكن أشبه الباقي بعد الحط أن يكون ثمنا للشقص كما لو اشترى الشقص بمائة ، ثم حط عنه البائع عشرة ولم تجر العادة بحطها لكن الباقي يشبه أن يكون ثمنا للشقص فإنه يحط ذلك عن الشفيع .




الخدمات العلمية