الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وللمرأة أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر وتمنعه أن يخرجها ) أي يسافر بها ليتعين حقها في البدل كما تعين حق الزوج في المبدل فصار كالبيع ، وليس للزوج أن يمنعها من السفر والخروج من منزله وزيارة أهلها حتى يوفيها المهر كله : أي المعجل منه [ ص: 371 ] لأن حق الحبس لاستيفاء المستحق ، وليس له حق الاستيفاء قبل الإيفاء ، ولو كان المهر كله مؤجلا ليس لها أن تمنع نفسها لإسقاطها حقها بالتأجيل كما في البيع . [ ص: 372 ] فيه خلاف أبي يوسف ، وإن دخل بها فكذلك الجواب عند أبي حنيفة وقالا : ليس لها أن تمنع نفسها . والخلاف فيما إذا كان الدخول برضاها حتى لو كانت مكرهة أو كانت صبية أو مجنونة لا يسقط حقها في الحبس بالاتفاق ، وعلى هذا الخلاف الخلوة بها برضاها . ويبتني على هذا استحقاق النفقة .لهما أن المعقود عليه كله قد صار مسلما إليه بالوطأة الواحدة وبالخلوة ، ولهذا يتأكد بها جميع المهر فلم يبق لها حق الحبس ، كالبائع إذا سلم المبيع . وله أنها منعت منه ما قابل البدل ; لأن كل وطأة تصرف في البضع المحترم فلا يخلى عن العوض إبانة لخطره ، والتأكيد بالواحدة لجهالة ما وراءها فلا يصلح مزاحما للمعلوم . ثم إذا وجد آخر وصار معلوما تحققت المزاحمة وصار المهر مقابلا بالكل ، كالعبد إذا جنى جناية يدفع كله بها ، ثم إذا جنى جناية أخرى وأخرى يدفع بجميعها ، وإذا أوفاها مهرها [ ص: 373 ] نقلها إلى حيث شاء لقوله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } ، وقيل لا يخرجها إلى بلد غير بلدها ; لأن الغريب يؤذى وفي قرى المصر القريبة لا تتحقق الغربة . .

التالي السابق


( قوله وللمرأة أن تمنع نفسها من الدخول بها ومن أن يسافر بها حتى يوفيها معجل مهرها ليتعين حقها في البدل كما تعين حقه في المبدل ) يعني ولا يتعين حقها إلا بالتسليم ، وهذا التعليل لا يصح إلا في الصداق الدين ، أما العين كما لو تزوجها على عبد بعينه فلا ; لأنها بالعقد ملكته وتعين حقها فيه حتى ملكت عتقه . وقوله ( أي المعجل منه ) يتناول المعجل عرفا وشرطا ، فإن كان قد شرط تعجيل كله فلها الامتناع حتى تستوفيه كله أو بعضه فبعضه ، وإن لم يشترط تعجيل شيء بل سكتوا عن تعجيله وتأجيله ، فإن كان عرف في تعجيل بعضه وتأخير باقيه إلى الموت أو الميسرة أو الطلاق فليس لها أن تحتبس إلا إلى تسليم ذلك القدر . قال في فتاوى قاضي خان : فإن لم يبينوا قدر المعجل ينظر إلى المرأة وإلى المهر أنه كم يكون المعجل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر فيعجل ذلك ولا يتقدر بالربع والخمس بل يعتبر المتعارف فإن الثابت عرفا كالثابت شرطا ، بخلاف ما إذا شرط تعجيل الكل إذ لا عبرة بالعرف إذا جاء الصريح بخلافه ، ومثل هذا في غير نسخة من كتب الفقه ، فما وقع في غاية البيان من إطلاق قوله فإن كان يعني المهر بشرط التعجيل أو مسكوتا عنه يجب حالا ، ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر ليس بواقع ، بل المعتبر في المسكوت العرف . هذا وللأب أن يسافر بالبكر قبل إيفائه . في الفتاوى : رجل زوج بنته البكر البالغة ثم أراد أن يتحول إلى بلد آخر بعياله فله [ ص: 371 ] أن يحملها معه وإن كره الزوج ، فإن أعطاها المهر كان له أن يحبسها .

( قوله وليس له حق الاستيفاء ) كل من الزوج والمرأة له حق الاستيفاء وعليه إيفاء ، فكما أن له استيفاء منافع البضع وعليه إيفاء المهر كذلك لها استيفاء المهر وعليها إيفاء منافع بضعها ، وحينئذ فقد يقلب هذا الدليل فيقال : ليس لها حق استيفاء المهر قبل إيفاء منافع البضع .

والجواب أن هذا وقع في تعليل حبسه إياها ; لأن ثبوته له للاستيفاء فعلى هذا كل منهما لو طولب بإيفاء ما عليه كان له الامتناع إلى استيفاء ماله ويستلزم تمانع الحقوق وفوات المقصود ، مثلا لو طالبها بإيفاء الدخول فقالت حتى أستوفي المهر فكان له أن يقول لا أوفيه حتى أستوفي منافع البضع وهي تقول مثله لزم ما ذكرنا . والصواب أن هذا التعليل بعد الإلحاق بالبيع وأن البضع كالمبيع والمهر كالثمن لكنك علمت أن في بيع المقايضة لكل منهما الامتناع فيقال لهما : سلما معا ، ومثله لا يتأتى في النكاح إذا كان المهر عبدا معينا مثلا ولا في معية الخلوة لإطلاق الجواب بأن لها الامتناع إلى أن تقبض . هذا ولو كانت الزوجة صغيرة فللولي منعها عن الزوج إلى أن يعطي المهر ، ولو زوجها غير الأب والجد كالعم وهي صغيرة ليس له أن يسلمها إلى الزوج قبل قبض الصداق ويقبضه من له ولاية القبض ، فإن سلمها فالتسليم فاسد وترد إلى بيتها ; لأنه ليس للعم ولاية إبطال حقها ، كذا في التجنيس في رمز واقعات الناطفي . ولو ذهبت الصغيرة إلى بيته بنفسها كان لمن كان أحق بإمساكها قبل التزوج أن يمنعها حتى يعطيه ويقبضه من له ولاية القبض ; لأن هذا الحق ثابت للصغيرة وليست هي من أهل الرضا .

[ فرع ]

إذا كان يسكن في بيت الغصب لها أن تمتنع من الذهاب إليه فيه ولا تسقط به نفقتها ( قوله ولو كان المهر كله مؤجلا ) مدة معلومة أو قليلة الجهالة كالحصاد ونحوه ، بخلاف ذلك في البيع ، وبخلاف المتفاحشة كإلى ميسرة وهبوب الريح حيث يكون المهر حالا ( ليس لها أن تمنع نفسها ) قبل الحلول ولا بعده ; لأن هذا العقد ما أوجب لها حق الحبس فلا يثبت بعده ، وكذا لو أجلته بعد العقد مدة معلومة ( لإسقاطها حقها بالتأجيل ) [ ص: 372 ] كما في البيع إذا أجل الثمن ليس له منع المبيع إلى غاية القبض ( وفيه خلاف أبي يوسف ) فيما رواه المعلى عنه ; لأن موجب النكاح تسليم المهر أولا ، فلما رضي بتأجيله كان راضيا بتأخير حقه لعلمه بموجب العقد . بخلاف البيع فإن تسليم الثمن أولا ليس من موجباته كما في المقايضة .

واختار الولوالجي الفتوى به ، وهذا إذا لم يشترط الدخول في العقد قبل الحلول ، فإن شرطه فليس لها الامتناع بالاتفاق ( قوله وإن دخل بها ) قبل الإيفاء راضية وهي ممن يعتبر رضاها ( فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله ) أي لها حبس نفسها حتى تستوفي المهر خلافا لهما . وأجمعوا أنه لو دخل بها كارهة أو صغيرة أو مجنونة فبلغت وصحت وزال الإكراه يكون لها حبس نفسها بعده ( وعلى هذا الخلاف الخلوة بها برضاها ) لا تسقط حقها في حبس نفسها عنده خلافا لهما ( قوله وإذا أوفاها مهرها ) أو كان [ ص: 373 ] مؤجلا ( نقلها إلى حيث شاء ) من بلاد الله ، وكذا إذا وطئها برضاها عندهما ( وقيل لا يخرجها إلى بلد غير بلدها ; لأن الغريب يؤذى ) واختاره الفقيه أبو الليث ، قال ظهير الدين المرغيناني : الأخذ بكتاب الله أولى من الأخذ بقول الفقيه : يعني قوله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم } وأفتى كثير من المشايخ بقول الفقيه ; لأن النص مقيد بعدم المضارة بقوله تعالى { ولا تضاروهن } بعد { أسكنوهن } والنقل إلى غير بلدها مضارة فيكون قوله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم } مما لا مضارة فيه وهو ما يكون من جوانب مصرها وأطرافه ، والقرى القريبة التي لا تبلغ مدة سفر فيجوز نقلها من المصر إلى القرية ومن القرية إلى المصر . وقال بعض المشايخ : إذا أوفاها المعجل والمؤجل وكان رجلا مأمونا فله نقلها




الخدمات العلمية