الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ونحوها فعليه الجزاء ) إلا ما استثناه الشرع وهو ما عددناه . وقال الشافعي رحمه الله : لا يجب الجزاء ; لأنها جبلت على الإيذاء فدخلت في الفواسق المستثناة ، وكذا اسم الكلب يتناول السباع بأسرها لغة . [ ص: 86 ] ولنا أن السبع صيد لتوحشه ، وكونه مقصودا بالأخذ إما لجلده أو ليصطاد به أو لدفع أذاه ، والقياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد ، [ ص: 87 ] واسم الكلب لا يقع على السبع عرفا والعرف أملك ( ولا يجاوز بقيمته شاة ) وقال زفر رحمه الله : تجب قيمته بالغة ما بلغت اعتبارا بمأكول اللحم .

ولنا قوله صلى الله عليه وسلم { الضبع صيد وفيه الشاة } [ ص: 88 ] ولأن اعتبار قيمته لمكان الانتفاع بجلده لا ; لأنه محارب مؤذ ، ومن هذا الوجه لا يزاد على قيمة الشاة ظاهرا .

التالي السابق


( قوله كالسباع ونحوها ) فالسباع كالأسد والفهد والنمر والفيل . ففي المحيط : إن قتل خنزيرا أو قردا أو فيلا تجب القيمة خلافا لهما ا هـ . وقول العتابي : الفيل المتوحش صيد ليس على ما ينبغي فإن المستأنس يجب كونه صيدا أيضا لعروض الاستئناس كما قالوا في الظبي وحمار الوحش إنهما صيد ، وإن تألفا . وغاية الأمر أن يجري في الفيل المتألف روايتان كما أن في الطيور المصوتة روايتين ، ولكن المختار فيها أنها صيد ، والمراد بنحوها سباع الطير كالبازي والصقر معلما وغير معلم . ( قوله : وكذا اسم الكلب يتناول السباع بأسرها ) ويدل عليه { أنه صلى الله عليه وسلم قال داعيا على عتبة بن أبي لهب : [ ص: 86 ] اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ، فافترسه سبع } . ( قوله : وكونه مقصودا بالأخذ ) هذا زيادة قيد على ما قدمناه في معنى الصيد لم يذكره في تعريفه السابق فيلزم إما فساد السابق أو هذا اللاحق .

( قوله : لما فيه من إبطال العدد ) العدد المنصوص هو الخمس فيلزم من الإلحاق به قياسا أن يكون المستثنى شرعا أكثر من خمس فيبطل العدد : أي ينتفي فائدة تخصيص اسمه دون غيره من الأعداد المحيطة بالملحق وغيره أو الإطلاق : أعني ذكره باسم عام مثل أن يقول : يقتل كل عاد منتهب ، وفيه نظر من وجوه : أما أولا فإن مثله يلزم في مفهوم الصفة فيقال مثلا : لو جاز نكاح الأمة الكتابية لم يبق لذكر المؤمنات في قوله تعالى { من فتياتكم المؤمنات } فائدة ، وكذا في المقيد بالشرط وسائر المفاهيم المخالفة ، فما هو جوابكم عن هذا فهو بعينه جوابنا عن مفهوم العدد . وأما ثانيا فإن عدد الخمس قد تحقق عدم قصر الحكم عليه شرعا وفرغ من ذلك ، فإنه قد ثبت النص على الذئب والحية أيضا في أحاديث لم ينص في صدرها على عدد بل قال : يقتل المحرم كذا وكذا إلى آخر ما رويناه من قريب ، فثبت عدم إرادة قصر ذلك الحكم على الخمس فانفتح باب القياس ، إذ حديث الفواسق تخصيص للآية ، ودليل التخصيص يعلل ويلحق بما أخرجه ما تخرجه العلة أيضا بالاتفاق . وأما ثالثا فإن المصنف رحمه الله جوز إلحاق الذئب بطريق الدلالة ، وعلى تقديره يبطل أيضا العدد .

وكون الثابت دلالة ثابتا بالنص لا يخرج به الحال عن أنه بطل خصوص الخمس . ويجيء فيه عين ما تقدم من أنه لو أراده لذكر عددا يحيط به معها فيقول ست من الفواسق . سلمناه لكن الإلحاق بالدلالة لا بد فيه على ما عرف من معنى جامع غير أنه لا يتوقف سوى على فهم اللغة دون أهلية الاجتهاد ولذا سماه كثير القياس الجلي ونسميه نحن الثابت بمعنى النص لغة ، وإذا كان كذلك فلا بد من تعيينه فما عينتموه من قولكم ; لأنها مبتدئات بالأذى ونحوه أو غيره في إلحاق الذئب فهو الذي يلحق باعتبار سائر السباع ، فإن سميتم ذلك دلالة فهذا أيضا دلالة . وأما رابعا فإنا لم نخرجه بالقياس بل بالنص ، وهو ما قدمناه من حديث أبي داود والترمذي من قوله عليه الصلاة والسلام { وكل سبع عاد } وقال الترمذي : حسن .

فإن قيل : نقول من الرأس يخرج مجموع ما نص على إخراجه وهو الحية والعقرب والفأرة والكلب والغراب والذئب والحدأة والسبع العادي . على أن المراد به في حالة اعتدائه وهو ما إذا صال على المحرم فإنه حقيقة اسم الفاعل ، وبه نقول : إنه إذا صال فقتله فلا شيء عليه كما سنذكره ، ثم نمنع الإلحاق ; لأنه حينئذ ناسخ على أصولنا لا مخصص لاشتراطنا المقارنة في المخصص الأول ، فما لم يقارن به يكون العموم مرادا ، فإذا أخرج بعضه بعد الحكم بإرادة الكل كان نسخا ; لأنه بعد تعلق الحكم بالفرد المخرج ، والتخصيص بيان عدم إرادة المخرج ، وإذا كان ناسخا عندنا فلا يلحق إذ لا نسخ بالقياس .

قلنا : لا نخرج بل بالقياس بالدلالة ، فإن أخذتم في الجامع الدلالي كونها تعيش مخالطة بالاختطاف والانتهاب كما ذكر بعضهم [ ص: 87 ] منعنا أن الحكم باعتباره وأسندناه بإخراج الذئب وهو لا يعيش مخالطا . والحق أن الوجه المذكور يصلح إلزاميا للخصم ; لأن الدلالة عندهم وهي التي يسمونها مفهوم الموافقة يشترط فيها كون المسكوت أولى بالحكم من المذكور .

فهم منع الضرب من منع التأفيف ، ولا تظهر أولوية السباع بإباحة القتل من الفواسق بل غايته المماثلة . وأما إثبات منع قتلها على أصولنا ففيه ما سمعت ، ولعل لعدم قوة وجهه كان في السباع روايتان كما هو في المحيط حيث قال وفي ظاهر الرواية السباع كلها صيود . وعن أبي يوسف رحمه الله أن الأسد كالكلب العقور والذئب . وفي العتابي : لا شيء في الأسد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجب ، وقدمنا من البدائع التصريح بحل قتل الأسد والفهد والنمر أول الباب من غير ذكر خلاف . ( قوله : واسم الكلب لا يقع على السبع عرفا ) ظاهر تخصيصه بالعرف أنه يقع عليها لغة بطريق الحقيقة ، وعلى هذا التقدير يتم مقصود الشافعي رحمه الله ، فإن الخطاب كان مع أهل اللغة ولم يثبت فيه تخصيص من الشرع بغير السبع ، بل ثبت استعماله فيه على ما سمعته عنه عليه الصلاة والسلام من قوله { اللهم سلط عليه كلبا } ، فافترسه سبع فالأولى منع وقوعه على السباع حقيقة لغة ولفظ الكلب في دعائه عليه الصلاة والسلام مستعمل في المعنى المجازي العام : أعني المفترس الضاري .

لا يقال : ادعاؤنا أنه في كل السباع حقيقة هو دعوى أنه في كل مفترس ضار حقيقة ، والأفراد حينئذ أفراد المعنى الكلي ، فدار الأمر بين كونه في العام مجازا كما قلتم أو مشتركا معنويا ، والاشتراك المعنوي أولى بالاعتبار عند التردد بينه وبين المجاز ; لأنا نقول : ذلك عند التردد وهو عند عدم دليل عدمه . وتبادر النوع المخصوص المعروف عند إطلاق لفظ الكلب دليل عدمه ، إذ لو كان للمعنى الأعم لم يتبادر خصوص بعضها ، وإذا تبادر خصوص بعضها كان ظاهرا في أن الوضع كان لذلك المعين فيجب اعتباره لذلك وإن جاز عروض تبادر البعض بعينه لعروض شهرة وغلبة استعمال ; لأن الظاهر هو الذي يجب المصير إليه لا المجوز إلا أن يدل دليل عليه ويتحقق كذلك .

( قوله : ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { الضبع صيد وفيه شاة } ) وفي بعض النسخ سبع ، وليس بمعروف بل المعروف حديث جابر قال { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع أصيد هو ؟ قال : نعم ، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم } رواه أبو داود وانفرد بزيادة فيه كبش ، والباقون رووه ولم يذكروها فيه . ورواه الحاكم بهذه الزيادة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الضبع صيد ، فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل } وهذا دليل أكله عند الخصم وسيأتي في موضعه . والمصنف إن استدل بلفظ السبع فغير ثابت ، وإن استدل بلفظ الضبع بناء على أنه [ ص: 88 ] سبع عندنا وغير مأكول تقديما للنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع فنقول : يجب حمله على أنه كان قدر المالية في وقت التنصيص ، وإلا تلزم المعارضة بينه وبين قوله تعالى { فجزاء مثل ما قتل من النعم } على أن المراد قيمة ما قتل من النعم .

وإذا كنتم قلتم في حديث جابر إن ما بين السنين في الزكاة من كونه مقدرا بشاتين أو عشرين درهما مع أنه ثابت في الصحيح من كتاب الصديق أن التقدير به كان ; لأنه قدر التفاوت في ذلك الزمان لا أنه تقدير لازم في كل زمان فلأن تقولوا مثله في هذا الحديث مع أنه لم يبلغ درجة ذلك الحديث في الصحة وكون ذلك مخلصا من المعارضة التي ذكرناها أولى ، وقوله في الوجه المعقول ( ولأن اعتبار قيمته لمكان الانتفاع بجلده لا ; لأنه محارب مؤذ ) يعني ; لأنه من هذا الوجه ساقط الجزاء مع أنه يخالف قوله قبله بأسطر ( وكونه مقصودا بالأخذ إما لجلده أو ليصطاد به أو لدفع أذاه ) حيث زاد باعثا آخر معارضا بعموم قوله تعالى { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } أوجب قيمة المقتول مطلقا فتعين قيمة مجرد جلده في بعض المقتول خروج عن مقتضاه مع أن أخذه لم ينحصر في طلب جلده كما ذكره هنا ، بل قد يكون لغرض أن يصطاد به كما ذكره قبله ، ومن هذا الوجه تجب قيمته .




الخدمات العلمية