الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الفائدة الثانية :

                                                                                                                                                                                                                              قال في الروض الأنف : «ومعنى جبريل : عبد الرحمن أو عبد العزيز ، هكذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا ومرفوعا أيضا والوقف أصح . وأكثر الناس أن آخر الاسم منه أعجمي وهو «إيل» ، وكان شيخنا يعني ابن العربي يذهب مذهب طائفة من [ ص: 99 ] أهل العلم في أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة وكذلك الإضافة في كلام العجم يقولون في «غلام زيد» . زيد غلام فعلى هذا يكون «إيل» عبارة عن العبد ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وابن المنذر عن عكرمة ، وأبو الشيخ عن علي بن الحسين قالوا : اسم جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله ، وكل شيء راجع إلى «إيل» فهو معبد لله عز وجل ، زاد علي بن الحسين وإسرافيل عبد الرحمن ، زاد عكرمة :

                                                                                                                                                                                                                              «والإيل» : الله .

                                                                                                                                                                                                                              قال الماوردي : «ولا يعلم لابن عباس مخالف في ذلك» ، وقال السهيلي : «إنه قول الأكثر» . وقال الشيخ شهاب الدين الحلبي رحمه الله تعالى في شرح الشاطبية : «اختلف الناس في هذا الاسم هل هو مشتق أم لا؟ والذي عليه الجمهور أنه لا اشتقاق» إذ الأسماء الأعجمية لا اشتقاق لها . وقال آخرون : بل هو مشتق من جبروت الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              وكذلك اختلفوا فيه هل هو اسم بسيط لا تركيب فيه أو هو مركب؟ فإن جبر» معناه «عبد» ، «وإيل» هو اسم الباري تعالى وقد قيل ذلك في إسرافيل ، ثم اختلفوا في تركيبه ، هل هو مركب تركيب إضافة أو تركيب مزج؟ فذهب بعضهم إلى الأول ، ورد بأنه كان ينبغي أن يعرب إعراب المتضايفين ، فيجرى الأول منهما مجرى الإعراب ، ويجرى الثاني وينون ، إذ لا مانع له من الصرف ، كما انصرف «إل» في قول من جعله اسما لله تعالى من قوله عز وجل : لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة [التوبة : 10] وهذا كما تقول : جاءني عبد الله ، ورأيت عبد الله ومررت بعبد الله . وذهب آخرون كأبي العباس المهدوي إلى أنه مركب تركيب مزج كبعلبك وحضرموت ، وهذا قريب إلا أن بعضهم رد عليه بأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلا ، وأنت كما رأيتهم يكسرون الراء في بعض اللغات . ورد عليه بعضهم أيضا بأنه لو كان مركبا تركيب مزج لجاز أن يعرب إعراب المتضايفين أو يبنى على الفتح كأحد عشر ، فإنه مركب تركيب مزج يجوز فيه هذه الأوجه ، فكونه لم يسمع فيه البناء ولا جريانه جريان المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب مزج . وهذا الرد مردود لأنه جاء على أحد الجائزين ، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              قال السهيلي : «واتفق في اسم جبريل عليه السلام أنه موافق من جهة العربية لمعناه وإن كان أعجميا ، فإن الجبر هو إصلاح ما وهي ، وجبريل موكل بالوحي ، وفي الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهي من الدين ، ولم يكن هذا الاسم معروفا بمكة ولا بأرض العرب ، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة به انطلقت تسأل من عنده علم الكتاب كعداس ونسطور الراهب وورقة . [ ص: 100 ]

                                                                                                                                                                                                                              فقالوا لها : قدوس قدوس أنى لهذا الاسم أن يذكر في هذه البلاد» كما تقدم بيان ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية