الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              تنبيهات

                                                                                                                                                                                                                              الأول : السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها ، ويطلق ويراد به فعل الساحر ، وتكون الآلة تارة معنى من المعاني فقط ، كالرقى والنفث في العقد ، وتارة تكون بالمحسوسات . وتارة تجمع الأمرين : الحسي والمعنوي ، وهو أبلغ .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : اختلف في السحر ، فقيل : هو تخييل فقط ولا حقيقة له ، وهو اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية ، وأبي بكر الدارمي من الحنفية ، وابن حزم الظاهري وطائفة . قال النووي : "والصحيح أن للسحر حقيقة ، وبه قطع الجمهور ، وعليه عامة العلماء ، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة" انتهى . ولكن محل النزاع : هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط ، منع . وقيل إن له حقيقة . واختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج ، فيكون نوعا من الأمراض ، وينتهي إلى حالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟

                                                                                                                                                                                                                              فالذي عليه الجمهور ، الأول . وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني .

                                                                                                                                                                                                                              فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم به ، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف ، فإن كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه . وذكروا قوما أنكروا السحر مطلقا ، وكأنهم عنوا القائلين بأنه تخييل ، وإلا فهذه مكابرة . قال المازري : جمهور العلماء على إثبات السحر وأن له حقيقة ، ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة ، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر ، ولأن العقل لا ينكر أن الله تعالى قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق ، أو تركيب أجسام ، أو بمزج بين قوى على ترتيب مخصوص ، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده ، فيصير بالتركيب نافعا . وقيل : لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله : يفرقون به بين المرء وزوجه [سورة البقرة ، آية 102] لكون المقام مقام تهويل ، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره . قال المازري : "والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك ، والآية ليست نصا في منع الزيادة ، ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك" . ثم ذكر الفرق بين السحر والمعجزة والكرامة ، وقد ذكرته في أبواب المعجزات .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : قال النووي : "عمل السحر حرام ، وهو من الكبائر بإجماع ، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ، ومنه ما يكون كفرا ، ومنه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة ، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر ، كالتعبد للشياطين أو الكواكب . وأما تعليمه وتعلمه فحرام ، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر استتيب منه [متعاطيه] ولا يقتل . فإن تاب قبلت توبته ، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر . وعن الإمام مالك : الساحر كافر ، يقتل ولا يستتاب . بل يتحتم [ ص: 413 ]

                                                                                                                                                                                                                              قتله كالزنديق . قال القاضي : "وبقول مالك قال أحمد ، وجماعة من الصحابة والتابعين" . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              وإلى ذلك جنح البخاري .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : قال الحافظ : "أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين : إما لتميز ما فيه من كفر من غيره ، وإما لإزالته عمن وقع فيه . فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد ، فإذا سلم الاعتقاد ، فمعرفة الشيء معرفة مجردة لا تستلزم منعا ، كمن يعرف عبادة أهل الأوثان ، لأن كيفية ما يعرفه الساحر إنما هي حكاية قول وفعل ، بخلاف تعاطيه والعمل به . وأما الثاني ، فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا ، وإلا جاز للمعنى المذكور ، ولهذا مزيد بسط يأتي إن شاء الله في أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              الخامس : لبيد- بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة ثم مهملة- ابن الأعصم بوزن أحمر بمهملتين- وصف في رواية بأنه من يهود بني زريق . وفي رواية [أخرى] بأنه رجل من بني زريق حليف يهود ، وكان منافقا . ويجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهودي نظر إلى ما في نفس الأمر ، ومن أطلق عليه منافقا نظر إلى ظاهر أمره . قال أبو الفرج : وهذا يدل على أنه أسلم نفاقا ، وهو واضح .

                                                                                                                                                                                                                              السادس : في مدة مكثه صلى الله عليه وسلم مسحورا : وقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم مكث أربعين ليلة . وفي رواية وهيب عن هشام عند الإمام أحمد ستة أشهر .

                                                                                                                                                                                                                              ويمكن الجمع بينهما بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه ، والأربعون يوما من استحكامه .

                                                                                                                                                                                                                              قال السهيلي : لم أقف على شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث صلى الله عليه وسلم فيها من السحر ، حتى ظفرت به في جامع معمر [بن راشد] عن الزهري قال : "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة [يخيل إليه أنه يفعل الفعل ولا يفعله] . وقد وجدناه موصولا بإسناد صحيح ، فهو المعتمد .

                                                                                                                                                                                                                              السابع : قوله : "فدعا الله عز وجل ، ثم دعا الله عز وجل" : قال الإمام النووي : "فيه استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات وتكريره ، وحسن الالتجاء إلى الله تعالى في رفع ذلك" . قال الحافظ : "سلك النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب ، ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر ربه ، واحتسب الأجر في صبره على بلائه . ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعف عن عبادته جنح إلى التداوي ثم إلى الدعاء . وكل من المقامين غاية "في الكمال" .

                                                                                                                                                                                                                              الثامن : وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عليا وعمارا لاستخراج السحر . وفي رواية عائشة في الصحيح : أنه صلى الله عليه وسلم توجه إلى البئر مع جماعة . وعن [ ص: 414 ]

                                                                                                                                                                                                                              ابن سعد عن عمر بن الحكم مرسلا : "فدعا جبير بن إياس الزرقي فدله على موضعه في بئر ذروان تحت أرعوفة البئر ، فخرج جبير حتى استخرجه . قال ابن سعد : ويقال : إن الذي استخرج السحر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن محصن الزرقي . ويجمع بأنه أعان جبيرا على ذلك وباشره بنفسه ، فنسب إليه . التاسع : في بيان غريب ما سبق :

                                                                                                                                                                                                                              "الحديبية" : يأتي الكلام عليها في غزوتها .

                                                                                                                                                                                                                              "الحليف" : المعاهد .

                                                                                                                                                                                                                              "بنو زريق" : بتقديم الزاي ، تصغير أزرق .

                                                                                                                                                                                                                              "أشعرت؟" : أعلمت؟ .

                                                                                                                                                                                                                              "مطبوب" : مسحور . يقال : طب الرجل- بالضم- إذا سحر ، وكنوا بالطب عن السحر تفاؤلا بالبرء ، كما كنوا بالسليم عن اللديغ . وقال القرطبي في "المفهم" : "إنما قالوا للسحر طب ، لأن أصل الطب الحذق بالشيء والتفطن له ، فلما كان كل من عالج المرض والسحر إنما يأتي عن فطنة وحذق ، أطلق على كل منهما هذا الاسم .

                                                                                                                                                                                                                              "مشط" : معروف ، وتقدم الكلام عليه في شرح غريب قصة المعراج .

                                                                                                                                                                                                                              "مشاطة" . ما مشط من الرأس .

                                                                                                                                                                                                                              "مشاقة" قيل : مشاقة الكتان . وقيل : المشاقة هي المشاطة بعينها ، والقاف تبدل من الطاء لقرب المخرج ، وهما بمعنى واحد .

                                                                                                                                                                                                                              "جف" : بالجيم والفاء : وهو الغشاء الذي يكون على الطلع .

                                                                                                                                                                                                                              "الظلع" : يطلق على الذكر والأنثى ، فلهذا قيده بالذكر ، وفي رواية في الصحيح بتنوين طلعة ذكر ، فهو صفة ألحقت إلى ذكر .

                                                                                                                                                                                                                              "بئر ذروان" : بالذال المعجمة ، وزن مروان . وفي رواية "ذي أروان" وهي الأصل ، فسهلت الهمزة لكثرة الاستعمال فصارت ذروان . وفي رواية السهيلي : ذي روان بإسقاط همزته [وهو] غلط .

                                                                                                                                                                                                                              "الراعوفة" : كذا لأكثر رواة الصحيح بزيادة ألف خلافا لابن التين ، حيث زعم أن رعوفة [ ص: 415 ] للأصيلي فقط ، وهو المشهور في اللغة . وفي لغة أرعوفة . وفي رواية عند أحمد "راعوثة" ، بثاء مثلثة بدل الفاء ، وهي لغة أخرى معروفة . وفيها لغة أخرى "زعوبة" بالزاي والموحدة ، وهما بمعنى واحد . والراعوفة : حجر يوضع عند رأس البئر لا يستطاع قلعه ، يقوم عليه المستقي ، وقد يكون في أسفل البئر إذا احتفرت ، يجلس عليها الذي ينظف البئر ، وهو حجر يوجد صلبا لا يستطاع قلعه .

                                                                                                                                                                                                                              "أفتاني فيما استفتيته فيه" : أجابني فيما دعوته ، فأطلق على الدعاء استفتاء لأن الداعي طالب ، والمجيب مستفتى ، والمعنى : أجابني عما سألته عنه ، لأن دعاءه كان الله أطلعه على حقيقة ما هو فيه لما اشتد عليه الأمر .

                                                                                                                                                                                                                              "أنشط من عقال" : بضم الهمزة . وفي رواية إسقاط الألف ، أي حل كما قال في "النهاية" ، وكثيرا ما يجيء في الرواية "كأنما نشط من عقال" وليس بصحيح ، يقال : نشطت العقدة إذا عقدتها ، وأنشطتها وانتشطتها إذا حللتها . انتهى . قال في "البارع" تقول العرب : "كأنما أنشط من عقال" ، بضم الهمزة . ويقال في المثل للمريض يسرع برؤه ، والمغشي عليه تسرع إفاقته في أمر شرع فيه عزيمته : "كأنما أنشط من عقال" ، ويقال نشط ، انتهى . فأثبت ما في الرواية لغة ، وهو أعرف باللغة من صاحب "النهاية" .

                                                                                                                                                                                                                              "تنشرت" : ظاهر صحيح البخاري أنه من النشرة ، ويحتمل أنه من النشر بمعنى الإخراج ، فيوافق رواية من رواه بلفظ "أفأخرجته؟" ورواية "أفلا" ، وحذف المفعول للعلم به ، ويكون المراد بالمخرج ما حواه الجف لا الجف نفسه ، ليتأكد الجمع المتقدم ذكره . والنشرة : ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا . قيل للنشرة ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء . والله أعلم . [ ص: 416 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية