الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ودلائل النبوة أيضا كثيرة ، وهي المعجزات المشهورة المتواترة ، وأما الحشر فإمكانه يثبت بالعقل ، وهذا أظهر ، وأما وقوعه فلا يمكن إثباته إلا بالسمع ، فأكثر فيه القسم ليقطع به المكلف ويعتقده اعتقادا جازما .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في الكلام على النجم [النجم : 1] :

                                                                                                                                                                                                                              صاحب القاموس : «في المطلع النجم الكوكب الطالع والجمع أنجم وأنجام ونجوم ونجم ، والنجم أيضا الثريا ، والنجم من النبات ما نجم على غير ساق ، والنجم الوقت المضروب» .

                                                                                                                                                                                                                              اللباب لابن عادل : «سمي الكوكب نجما لطلوعه ، وكل طالع نجما» ، يقال : نجم السن والقرن والنبت إذا طلع ، زاد القرطبي : «ونجم فلان ببلد كذا أي خرج على السلطان» .

                                                                                                                                                                                                                              ابن القيم : «اختلف الناس في المراد بالنجم ، فقال الكلبي عن ابن عباس : أقسم بالقرآن إذ أنزل نجوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع آيات وثلاث آيات والسورة ، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة ، وكذلك روى عطاء عنه ، وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد ، واختاره الفراء» .

                                                                                                                                                                                                                              والهوي على هذا القول النزول من أعلى إلى أسفل ، وعلى هذا سمي القرآن نجما لتفرقه في النزول . والعرب تسمي التفرق تنجما والمتفرق منجما . ونجوم الكتابة أقساطها ، وتقول جعلت مالي على فلان نجوما منجمة ، كل نجم كذا وكذا . وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها ، فيقولون :

                                                                                                                                                                                                                              إذا طلع النجم - يريدون الثريا - حل عليك كذا ، ثم جعل كل نجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام الرازي : «ففي هذا القسم استدلال بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم على صدقه ، وهو كقوله تعالى : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين [يس : 1 ، 2 ، 3] وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية : يعني الثريا إذا سقطت وغابت ، وهويها مغيبها ، وهو الرواية الأخرى عن مجاهد ، والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا ، قال الشاعر :


                                                                                                                                                                                                                              إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء

                                                                                                                                                                                                                              وفي الحديث : «ما طلع نجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا ارتفع» ، رواه الإمام [ ص: 28 ] أحمد ، وأراد بالنجم الثريا . وهذا القول اختاره ابن جرير والزمخشري . وقال السمين إنه الصحيح ، لأن هذا صار علما بالغلبة» ، وقال عمر بن أبي ربيعة :


                                                                                                                                                                                                                              أحسن النجم في السماء الثريا     والثريا في الأرض زين النساء

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام الرازي : «ومناسبة هذا القول أن الثريا أظهر النجوم عند الرائي لأن له علامة لا تلتبس بغيره في السماء ويظهر لكل أحد . والنبي صلى الله عليه وسلم يتميز عن الكل بآيات بينات ، فأقسم به ، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق بالبلد حان إدراك الثمار ، وإذا ظهرت بالشتاء أو الخريف تقل الأمراض . والنبي صلى الله عليه وسلم إذا ظهر ، قل الشك والأمراض القلبية وأدركت الثمار الحكمية» .

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو حمزة ، بالحاء المهملة والزاي : «والثمالى - بضم المثلثة وتخفيف الميم وباللام : يعني النجوم إذا انتثرت يوم القيامة . وقيل أراد به الشعرى . وقال السدي والثوري :

                                                                                                                                                                                                                              «أراد به الزهرة» . وقال الأخفش : «أراد به النبت الذي لا ساق له ، ومنه قوله تعالى :

                                                                                                                                                                                                                              والنجم والشجر يسجدان [الرحمن : 6] وهويه سقوطه .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام الرازي : «لأن النبات به نبات القوى الجسمانية وصلاحها ، والقوة العقلية أولى بالإصلاح ، وذلك بالرسل ، وإصلاح السبل ، ومن هذا يظهر أن المختار هو النجوم التي في السماء لأنها أظهر عند السامع . وقوله تعالى : إذا هوى أدل عليه ، ثم بعد ذلك القرآن لما فيه من الظهور ، ثم الثريا .

                                                                                                                                                                                                                              وقال جعفر بن محمد - رضي الله عنهما- ، كما نقله القاضي : «أراد به النبي- صلى الله عليه وسلم- إذ نزل ليلة المعراج والهوي النزول» .

                                                                                                                                                                                                                              صاحب السراج : «ويعجبني هذا التفسير لملاءمته من وجوه ، فإنه صلى الله عليه وسلم نجم هداية ، خصوصا لما هدي إليه من فرض الصلاة تلك الليلة ، وقد علمت منزلة الصلاة من الدين ، ومنها أنه أضاء في السماء والأرض . ومنها التشبيه بسرعة السير ، ومنها أنه كان ليلا ، وهو وقت ظهور النجم ، فهو لا يخفى على ذي بصر وأما أرباب البصائر فلا يمترون كأبي بكر الصديق- رضي الله عنه» . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              وقال مجاهد في رواية عنه : «نجوم السماء كلها» . وجزم أبو عبيدة وقال : ذهب إلى لفظ الواحد بمعنى الجمع ، قال الشاعر :

                                                                                                                                                                                                                              فبانت تعد النجم في مستحيرة

                                                                                                                                                                                                                              أي تعد النجوم . قال ابن جرير : «وهذا القول له وجه ، ولكن لا أعلم أحدا من أهل التأويل قاله» . انتهى . [ ص: 29 ]

                                                                                                                                                                                                                              قلت : قد تقدم نقله عن مجاهد ، ونقله الماوردي عن الحسن أيضا . وقال الإمام الرازي :

                                                                                                                                                                                                                              «ومناسبة ذلك أن النجوم يهتدى بها فأقسم بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة» .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن عباس في رواية عكرمة : أراد التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع . وهذا قول أبي الحسن الماوردي . وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ، كثر انقضاض الكواكب قبل مولده ، فذعر أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن ، كان يخبرهم بالحوادث ، فسألوه عنها فقال : انظروا إلى البروج الاثني عشر فإن انقض منها شيء فهو ذهاب الدنيا ، وإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم ، فاستشعروا ذلك ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه ، فأنزل الله تعالى : والنجم إذا هوى ، هوى لهذه النبوة التي حدثت .

                                                                                                                                                                                                                              الإمام الرازي : «إن الرجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض .

                                                                                                                                                                                                                              ابن القيم : «وهذه الرواية عن ابن عباس أظهر الأقوال ، ويكون الحق سبحانه وتعالى قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له ، على أن ما أتى به رسولا حق وصدق لا سبيل للشياطين ولا طريق لهم إليه ، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له ، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور ، وفي المقسم به دليل على المقسم عليه ، فإن النجوم التي ترمى بها الشياطين آيات من آيات الله تعالى ، يحفظ بها دينه ووحيه ، وآياته المنزلة على رسله ، بها ظهر دينه وشرعه ، وأسماؤه وصفاته . وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهادية .

                                                                                                                                                                                                                              وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ، ولا تسمية نزوله هويا ، ولا عهد في القرآن بذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين أيضا تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت ، وليس بالبين القسم بالنجوم عند تناثرها يوم القيامة ، بل هذا مما يقسم الرب عليه ، ويدل عليه بآياته ، فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكرو البعث . فإنه سبحانه وتعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه ، فأظهر الأقوال قول الحسن وابن كثير وهذا القول له اتجاه» .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية