الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 186 ] فصل في عدالة الصحابة وما ذكره مما سبق من شرط البحث عن العدالة في الراوي إنما هو في غير الصحابة ، فأما فيهم فلا ، فإن الأصل فيهم العدالة عندنا ، لقوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } وفي الصحيح : { خير القرون قرني } . فتقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم . قال القاضي : هو قول السلف ، وجمهور السلف ، وقال إمام الحرمين : بالإجماع . قال : ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة ، ولو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول عليه السلام ، ولما استرسلت على سائر الأعصار ، وقال إلكيا الطبري : وعليه كافة أصحابنا . وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد ، [ ص: 187 ] وكل مجتهد مصيب ، أو المصيب واحد ، والمخطئ معذور ، بل ومأجور ، وكما قال عمر بن عبد العزيز : تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا . قال الصيرفي ، والقاضي أبو الطيب ، والشيخ أبو إسحاق وغيرهم : وأما أمر أبي بكرة وأصحابه ، فلما نقص العدد أجراهم عمر ( رضي الله عنه ) مجرى القذفة ، وحده لأبي بكرة بالتأويل ، ولا يوجب ذلك تفسيقا ; لأنهم جاءوا مجيء الشهادة ، وليس بصريح في القذف ، وقد اختلفوا في وجوب الحد فيه ، وسوغ فيه الاجتهاد ، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد . ومن الناس من يزعم أن حكمهم في العدالة كحكم غيرهم . فيجب البحث عنها ، وهو قضية كلام أبي الحسين بن القطان من أصحابنا ، فإنه قال : وحشي قتل حمزة ، وله صحبة . والوليد شرب الخمر . قلنا : من ظهر منه خلاف العدالة لم يقع عليه اسم الصحبة . والوليد ليس [ ص: 188 ] بصحابي ; لأن الصحابة إنما هم الذين كانوا على الطريقة . ا هـ .

                                                      وهو غريب فقد ذكرهما المحدثون في كتب الصحابة . وقيل : حكمهم العدالة قبل الفتن لا بعدها ، فيجب البحث عنهم ، وقيل : عدول إلا من قاتل عليا . فلا تقبل روايته ولا شهادته ، وقيل به في الفريق الآخر . وقيل : الحديث بالعدالة يختص بمن اشتهر منهم ، والباقون كسائر الناس ، منهم عدول وغير عدول . وكل هذه الأقوال باطلة . والصحيح الأول وعليه جمهور السلف والخلف ، ومن الفوائد ما قاله الحافظ جمال الدين المزي : إنه لم توجد رواية عمن يلمز بالنفاق من الصحابة . وقال المازري : العدالة لمن اشتهر منهم بالصحبة دون من قلت صحبته ، أو كان له مجرد الرؤية ، فقال : لا نعني بالعدل كل من رآه اتفاقا أو زاره لماما ، أو ألم به ، وانصرف من قريب ، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه ، وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، وهذا قول غريب ، يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ، ومالك بن الحويرث ، وعثمان بن أبي العاص ، [ ص: 189 ] وأمثالهم ، ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقم إلا أياما قلائل ، ثم انصرف ، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الواحد أو الاثنين ، فالقول بالتعميم هو الصواب كما هو قضية إطلاق الجمهور .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية