الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      وقال ابن أبي هريرة في كتاب الربا في تعليقه : اختلف قول الشافعي في مرسل ابن المسيب ، وكان في القديم يقول به ، وفي الجديد يحسنه ويقوي به ما دل عليه الأصول ، وإنما قال به في القديم ; لأن عامة مراسيله إذا تتبع وجد متصلا . انتهى . وقال ابن فورك في كتابه : لا يقبل المرسل ، وقد قال الشافعي في القديم : إن إرسال ابن المسيب حسن ; لأنه كشف عن حديثه ، فوجده متصلا ، فاكتفى عن طلب كل حديث بعد فراغه من الجملة ، ويتقوى به أحد الخبرين لا محالة ، ثم قال : واعتمد الشافعي في ذلك على أن المسكوت عنه يجوز أن يكون عدلا ، وأن لا يكون إلى آخره ، فاقتضى كلامه أنه لا خلاف عنده في الجديد في رده مطلقا ، وأنه في القديم استثنى سعيدا وفيه ما سبق .

                                                      وقال ابن السمعاني : وأما مرسل سعيد ، فإن الشافعي قال به في كتبه القديمة ، ولم يرد به تخصيص ابن المسيب دون غيره من مذهبه مذهب ابن المسيب في ذلك ، لكن ظهر للشافعي مذهب ابن المسيب أنه لم يرسل حديثا ليس له أصل في المتصل ، ولم يظهر له مثل هذا في غيره ، فإن عرف هذا في مرسل غيره كمرسل عطاء ، والحسن ، والنخعي ، ومكحول ، كان الكلام فيهم كذلك . وقال الخفاف في كتاب الخصال " : لا يجوز قبول المرسل عندنا إلا في صورتين : [ ص: 362 ] إحداهما : أن يروي الصحابي عن صحابي ، ولا يسميه ، فذلك والمسند سواء . والثاني : التابعي إذا أرسل وسمى ، فإن كان معروفا أن لا يروي إلا عن صحابي مثل سعيد بن المسيب ، فإرساله وإسناده في ذلك سواء . انتهى .

                                                      وهذا معنى آخر في قبول مرسل سعيد ونحوه . وقال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص " : من أصحابنا من جعل المسألة على قولين ، وليس يغني ، والصحيح أنه لا فرق بين مرسل سعيد وغيره في أنه لا يحتج به أبدا ، وفي الموضع الذي جعله ، أراد به في ترجيح أحد الدليلين على الآخر . انتهى . وقال أبو الحسين بن القطان في كتابه : المرسل لا يحتج به ، وقد قال الشافعي في القديم : وإرسال ابن المسيب عندنا حسن ، وأخذ بذلك في الجديد في مسائل معدودة ، منها بيع اللحم بالحيوان ، ومعنى قوله عندنا : " إرساله حسن " ، أنه تتبع أخباره كلها ، فوجدها أو أكثرها متصلة ، فاكتفى بذلك عن تطلب كل حديث بعد مراده من الجملة ، لا أنه أراد بذلك تخصيصه عن سائر المراسيل . انتهى .

                                                      وقال القفال الشاشي في كتابه : قد كان الشافعي في القديم يستحسن إرسال سعيد ، وكأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن عامة مراسيله إذا انعقدت وجد لها في الروايات الموصولة أصل ، وإنا لم نعلم أحدا من الضعفاء أرسل عنه ، ولا روى عنه ، بل جملة رواياته عن الصحابة والثقات ، من أهل النقل . قال : وقد ذكر الشافعي في الرسالة الجديدة " أن الحديث يعتبر بأمور : منها : أن ينظر إلى ما أرسل فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون ، فأسند [ ص: 363 ] قوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل معنى ما روى كان في ذلك ما يسند . ومنها : ما يؤخذ عن بعض الصحابة من قولهم وما يوافق الخبر المرسل . ومنها : أن يكون إذا سمى من روى عنه ، لم يسم مجهولا ، ولا مرغوبا عنه في الرواية . ومنها : أن يكون إذا أشرك أحدا من الحفاظ في حديثه لم يخالفه . ثم قال بعد ذكر هذه الشرائط : وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن يقبل مرسله ، ولا نزعم أن الحجة ثبتت ثبوتها بالمتصل .

                                                      وقال : فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض الصحابة ، فلا أعلم منهم واحدا يقبل مرسله ، وقد ذكر فيه من الشرائط ما ذكر .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية