الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      أما الشيخ نفسه إذا لم يتذكر ، هل له أن يتبع روايته ويرويه ؟ كما يقول سهيل : حدثني ربيعة عني . قال إلكيا الطبري في كتاب " نقض مفردات أحمد " : هذا موضع نظر ، يحتمل أن يقال : تتبع روايته تشوفا إلى العمل بالحديث ، ويحتمل خلافه ، وحكى بعض شراح " اللمع " من أهل اليمن أن صاحب " الأمثال " حكى عن بعض أصحابنا أنه يجوز لكل أحد أن يرويه إلا الذي نسيه ، فإنه يسقط في حقه ، ولا يجوز أن يروي عن الراوي عنه ; لأنه فرع له وتابع له ، فلا يجوز أن يعود الفرع أصلا ، والتابع متبوعا في شيء واحد . قال : وهذا غير صحيح ، والمذهب الأول . وقال الشيخ أبو إسحاق في " الملخص " : صنف الدارقطني جزءا فيمن روى عمن روى عنه ، يعني بعد نسيانه . قلت : وكذلك الخطيب البغدادي [ ص: 227 ] وذكر ما أهمله الدارقطني ، أما عمله به ، فحكى القاضي في " التقريب " عن الشافعي أنهم اعتلوا بأن الراوي إذا نسي الخبر حرم العمل عليه بموجبه ، فكذلك يحرم على غيره . قال الباجي : يقال لهم : من سلم لكم هذا ؟ بل يجب عليه العمل به ، إذا أخبره العدل أنه كان قد رواه . الثالث : محل الخلاف في إنكار لفظ الحديث بالجملة ، فأما في اللفظة الزائدة فيه إذا قال راويه : لا أحفظ هذه اللفظة ، أو لم أحدثك بها ، فلا خلاف في وجوب العمل به ، ذكره القاضي في " التقريب " ، وجعله أصلا مقيسا عليه أصل الحديث ، وقال : لا نعلم أحدا قال : إنه يقدح في الحديث . قال : وكذا نسيان الإعراب . وكلام ابن فورك يقتضي تخصيص الخلاف بالواحد . فأما الجماعة الكثيرة إذا نسبوا ذلك كان قادحا قطعا ; لاستحالة ذلك في حقهم بخلاف الواحد .

                                                      الرابع : محل الخلاف أيضا فيما إذا لم يجزم الأصل به ، وجزم به الفرع . فإن كان الفرع غير جازم بأن كان شاكا فيه " غير ظان له ، لم تقبل روايته ، وإن حذفه الشيخ لفقد شرط الرواية ; لأن شرطها الجزم بها أو الظن ، فإن كان ظانا ، والأصل شاك فيه . قال الهندي : فالأشبه أنه من صور الخلاف . وإن كان الأصل ظانا عدم الرواية عنه . قال : فالأشبه أنه من جملة صور الاتفاق على عدم القبول . قال : والضابط فيه أنه مهما كان قول الأصل معادلا لقول الفرع ، فإنه من جملة صور الاتفاق ، ومهما كان الفرع راجحا على قول الأصل ، فإنه من جملة صور الخلاف . وقال الإمام فخر الدين : ويتجه أن يكون الخبر في كل هذه الأقسام مقبولا ; لأن الفرع لم يوجد في مقابلته من يعارضه ، فلا يسقط به الاستدلال . [ ص: 228 ] الخامس : أن الخلاف بالنسبة إلى الرواية ، أما الشهادة فمحل وفاق . فإذا أنكر شاهد الأصل الشهادة بطلت شهادة هذا الفرع . قال ابن برهان : وهاهنا مسألة يخالف فيها المذهبان أصولهم ، وهي ما لو ادعى رجل على القاضي أنك قضيت لي أو سجلت في الواقعة الفلانية ، فأنكر القاضي دعواه ، وقال : ما قضيت ، وما سجلت ، وما عندي خبر بما تدعيه ، فإن المدعي لو أقام شاهدين ، وشهدا بموجب دعواه ، لا تثبت هذه الدعوى بشهادتهما ، وقياس مذهبنا أنها تثبت ; لأن القاضي كالأصل بالنسبة إلى الشهود ، وقصارى ما يصدر هاهنا إنكار الأصل ، وإنكار الأصل عندما لا يمنع من العمل بقول الفرع في مذهبنا في هذه المسألة الخلافية ، وأما الحنفية فقالوا : تقبل شهادتهما على القضاء والإسجال ، ومقتضى مذهبهم أن لا تقبل ; لأن الأصل - أعني القاضي - أنكر وعندهم إنكار الأصل يسقط الفرع .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية