الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ الشرط ] الخامس أنه إجماع إن كان فتيا لا حكما وبه قال ابن أبي هريرة . كذا حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق ، والماوردي ، والرافعي ، وابن السمعاني ، والآمدي ، وابن الحاجب . والذي في البحر " للروياني ، والأوسط " لابن برهان ، والمحصول " للإمام الرازي عنه : " لا إن كان من حاكم " . وبينهما فرق ، إذ لا يلزم من صدوره عن الحاكم أن يكون قاله على وجه الحكم . والأول ظاهر نقل أبي الحسين بن القطان عنه ، فإنه صور المسألة بما إذ أجرى سكوتهم على حكم حكمت به الأئمة . [ ص: 464 ] وعبارة الروياني عنه : " لا إن كان من إمام أو حاكم " . قال : والأكثرون من أصحابنا قالوا : لا فرق بين الإمام وغيره . وقد خالف الصحابة في الجد ، وعمر في المشتركة ، وغير ذلك . على أنا إن اعتبرنا في هذا انقراض العصر ومحاباة الإمام أو الحاكم اختص مجلس حكمه دون غيره . قال : وهذا أصح عندي ، فعلى هذا القول يصير بمنزلة قوله وحده هل يترك به القياس ؟ قولان . وقال الخوارزمي في الكافي " : لو ظهر هذا من الإمام أو الحاكم إما بطريق الفتوى أو القضاء ، فقال أبو علي بن أبي هريرة : لا يكون حجة ; لأن الإمام لا يعترض عليه ، فلا يكون سكوتهم دليل الرضا . قال : وغيره ممن ذهب إلى هذا القول لا يفرق بين الإمام وغيره ، ومحاباة الحاكم والإمام مختص بمجلس الحكم . ا هـ .

                                                      ونقل ابن السمعاني عن ابن أبي هريرة أنه احتج بهذا ، بأنا نحضر مجلس بعض الحكام ، ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ، ولا ننكر ذلك عليهم ، فلا يكون سكوتنا رضا منا بذلك . قال ابن السمعاني : وهو تقرير حسن ، لا بأس به ، وهو نافع جدا في صورتي الإيراد في مسألة ميراث المبتوتة ، ومسألة استيفاء القصاص مع وجود الصغار من الورثة ، فإنه قد انتشر قضاء عثمان في ميراث المبتوتة . وكذلك قتل الحسين بن علي ابن ملجم قصاصا ، مع وجود الورثة الصغار ، وانتشر كلا الأمرين بين الصحابة ، ولم يكن مخالف ، ومع ذلك لم يقدموا ذلك على القياس . على أنه قد نقل عن الزبير وابن عوف مخالفة عثمان ، وأما قتل الحسين لابن ملجم ، ففيه كلام كثير ، وأيضا فإن الصحابة في ذلك الوقت كانوا متفرقين ; لكثرة الفتن إذ ذاك . قال : ومما يضم إلى هذا أن الحكم الصادر [ ص: 465 ] من الأئمة لا يماثل الفتوى الصادرة من المفتي ، وحفظ الأدب في ترك الاعتراض على الأئمة .

                                                      [ الشرط ] السادس عكسه قاله أبو إسحاق المروزي معتلا بأن الأغلب أن الصادر من الحاكم يكون على مشاورة . وهذا القول حكاه ابن القطان عن أبي إسحاق المروزي ، والصيرفي ، إلا أنه خصه بشيء ، وعبارته : إذا سكتوا عن حكم الأئمة حتى انقرض العصر ، فإن أصحابنا اختلفوا فيه إذا جرى على حكمه ، فمنهم من يقول : إنه إجماع . انتهى . ثم اختار آخرا قول ابن أبي هريرة ، وفي هذا النقل فائدتان . إحداهما : اشتراط انقراض العصر على هذا القول . والثانية : أن القائل بالأول هو أبو إسحاق المروزي ، لا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ; لأن ابن القطان أقدم منه ، وإنما قلنا ذلك ; لأن الهندي في نهايته " نقله عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني . وفي المسألة طريقة أخرى ، وهي التي أوردها ابن كج في كتابه : إن كان على جهة الفتيا ، فهو إجماع ; لأنهم لا يسكتون عن شيء فيه ترك الدين ، وهل يقطع على الله عز وجل أم لا ؟ فيه وجهان ، وإن كان حكما وانقرض ذلك العصر ، ولم يظهر له مخالف فهو على وجهين : أحدهما : أنه إجماع كالفتيا ، والثاني : لا .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية