الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ومثل هذا حديث خنساء ؛ زوجها أبوها وهي ثيب ، فكرهت ذلك ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحه ، وفي تركه أن يقول لخنساء " إلا أن تشائي أن تجيزي ما فعل أبوك " دلالة على أنها لو أجازته ما جاز ، والبكر مخالفة لها لاختلافهما في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كانا سواء كان لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنهما أحق بأنفسهما . وقالت عائشة - رضي الله عنها - : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع سنين ، ودخل بي وأنا ابنة تسع - وهي لا أمر لها - وكذلك إذا بلغت ولو كانت أحق بنفسها أشبه أن لا يجوز ذلك عليها قبل بلوغها ، كما قلنا في المولود يقتل أبوه ويحبس قاتله حتى يبلغ فيقتل أو يعفو " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال : النكاح الموقوف لا يصح ولا يقع إلا على إحدى حالتين من صحة أو فساد ، سواء كان موقوفا على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي ، وكذلك البيع لا يصح أن يعقد موقوفا على إجازة البائع أو المشتري .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : يصح النكاح الموقوف على إجازة الزوجة ، أو الزوج ، أو الولي ، [ ص: 55 ] ويصح البيع الموقوف على إجازة البائع دون المشتري ، واستدل بما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت يا رسول الله : إن أبي ونعم الأب هو زوجني بابن أخ له ؛ أراد أن يرفع بي خسيسته ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : قد اخترت ما فعل أبي ، وإنما أردت لتعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء . فلما خيرها والخيار لا يثبت في اللازم ولا في الفاسد دل على أنه كان موقوفا على خيارها وإجازتها ، قال : لأنه لما جاز أن تكون الوصية بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الورثة ، واللقطة إذا تصدق بها الواحد موقوفة على إجازة المالك : لكون المجيز لهما موجودا جاز أن يكون النكاح موقوفا على إجازة من يكون في حال الوقف موجودا .

                                                                                                                                            وتحريره قياسا : أن كل ما كان مجيزه موجودا جاز أن يكون على إجازته موقوفا ، كاللقطة والوصية .

                                                                                                                                            قال : ولأنه لما جاز أن يكون موقوفا على الفسخ جاز أن يكون موقوفا على الإجازة .

                                                                                                                                            وتحريره قياسا : أنه أحد نوعي الاختيار ، فجاز أن يكون العقد موقوفا عليه كالفسخ ، قال : ولأن حال العقد بعد كماله أقوى من حاله قبل كماله ، فلما جاز أن يكون قبل كماله موقوفا بعد البذل على إجازة القبول ، فأولى أن يكون بعد كماله موقوفا على الإجازة .

                                                                                                                                            وتحريره : أنه أحد حالتي العقد ، فجاز أن يكون موقوفا على الإجازة كالحال الأولى .

                                                                                                                                            ودليلنا : حديث عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فلو صح بالإجازة لوقفه على إجازة الولي ولما حكم بإبطاله ، وحديث خنساء بنت خذام أن أباها زوجها وهي ثيب ، فكرهت ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحها ، ولم يقل : إلا أن تشاء أن تجيزي ما فعل أبوك ، مع حثه على طاعة الآباء ، فدل على أنها لو أجازته لم يجز ، ولأن عقد المنكوحة إذا لم تصر المرأة به فراشا كان فاسدا كالمنكوحة في ردة أو عدة .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : إنها لو جاءت في النكاح الموقوف بولد لستة أشهر لم يلحق به ، ولأن ما انتفت عنه أحكام النكاح من الطلاق والظهار والتوارث لم يكن نكاحا كالمتعة .

                                                                                                                                            وقد قال أبو حنيفة : أنه لا يلحقها في زمان الوقف طلاق ، ولا ظهار ، ولا توارث : ولأن ما افتقر إليه عقد النكاح كان تأخره عن العقد مبطلا للنكاح كالشهادة : ولأن اشتراط لزوم النكاح إلى مدة أقوى من اشتراط لزومه بعد مدة : لأن من العقود ما ينعقد إلى مدة كالإجارة ، وليس منها ما ينعقد بعد مدة ، فلما بطل باشتراط لزومه بعد مدة كقوله : تزوجتها شهرا ، كان أولى أن يبطل باشتراط لزومه ، كقوله : تزوجتها على إجازتها : لأنه إذا بطل بما له في الصحة نظير ، فأولى أن يبطل بما ليس له في الصحة نظير : لأن النكاح إذا اعتبر لزومه بشرط متيقن بعد العقد كان أقوى وأوكد من اعتبار لزومه بشرط مجوز بعد العقد ، وقد ثبت أنه لو قال : قد [ ص: 56 ] تزوجتك الآن إذا أهل شهر رمضان كان العقد فاسدا ، فأولى إذا تزوجها على مدة إجازتها أن يكون فاسدا ، إلا أنه إذا بطل في أقوى الحالين ، كان بطلانه في أضعفهما أولى .

                                                                                                                                            فأما الخبر الذي استدلوا به فضعيف ، والمشهور من الرواية أنه رد نكاحها ولم يخيرها ، ولو سلمنا أنه خيرها لكان محمولا على وقت الفسخ لا وقت الإمضاء : لأن أباها قد كان زوجها بغير كفء .

                                                                                                                                            وأما استدلالهم بوقف الوصية ، والتصدق باللقطة ، فالوصية يجوز وقفها لجوازها بالمجهول والمعدوم وليس كالنكاح والبيع الباطلين على المجهول والمعدوم ، وأما التصدق باللقطة فلا يجوز وقفه بل إن لم يتملك اللقطة كانت في يده أمانة لا يجوز أن يتصدق بها ، وإن تملكها فتصدق بها كانت عن نفسه وإذا لم يعلم الأجل بطل القياس .

                                                                                                                                            وأما استدلالهم بجواز وقف النكاح على الفسخ فكذلك على الإجازة باطل : لأن الموقوف على الفسخ قد تعلقت عليه أحكام النكاح ، فصح الموقوف على الإجازة ، وقد انتفت عنه أحكام النكاح فبطل .

                                                                                                                                            وأما استدلالهم بوقفه بعد البذل وقبل القبول ، فغير صحيح لأنا نمنع من وقف العقد ، وهو قبل تمامه بالبذل والقبول ليس بعقد ، فلم يجز أن يستدل بوقف ما ليس يلزم على وقف عقد يلزم ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية