الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( والأمر بعد حظر ، أو ) بعد ( استئذان ، أو ) كان [ ص: 332 ] ( بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليم ) : ( للإباحة ) في المسائل الثلاث على الصحيح فيهن . والإباحة في الأولى ، وهي الأمر بعد الحظر : حقيقة لتبادرها إلى الذهن في ذلك ، لغلبة استعماله له فيها حينئذ ، والتبادر علامة الحقيقة . وأيضا فإن النهي يدل على التحريم ، فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم ، وهو المتبادر . فالوجوب أو الندب زيادة لا بد لها من دليل . ومن ذلك في القرآن قوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا } { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } ومن ذلك في السنة قوله صلى الله عليه وسلم { كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها } والأصل عدم دليل سوى الحظر . والإجماع حادث بعده صلى الله عليه وسلم . وكقوله لعبده : لا تأكل هذا . ثم يقول له : كله . وذهب القاضي أبو يعلى ، وأبو الطيب الطبري ، وأبو إسحاق الشيرازي ، وابن السمعاني ، والفخر الرازي وأتباعه ، وصدر الشريعة من الحنفية إلى أنه كالأمر ابتداء . واستدل للوجوب بقوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } والجواب عن ذلك عند القائل بالإباحة : أن المتبادر غير ذلك . وفي الآية إنما علم بدليل خارجي . وذهب أبو المعالي والغزالي وابن القشيري والآمدي إلى الوقف في الإباحة والوجوب . لتعارض الأدلة . وقيل : للندب . وأسند صاحب التلويح إلى سعيد بن جبير : أن الإنسان إذا انصرف من الجمعة ندب له أن يساوم شيئا ، ولو لم يشتره . وذهب الشيخ تقي الدين وجمع إلى أنه لرفع الحظر السابق وإعادة حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر . قال الشيخ تقي الدين : وعليه يخرج { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } قال الكوراني : هذا الخلاف إنما هو عند انتفاء القرينة ، وأما مع وجودها فيحمل على ما يناسب المقام . انتهى . والمسألة الثانية : وهي كون الأمر بعد الاستئذان للإباحة .

قاله القاضي وابن عقيل . وحكاه ابن قاضي الجبل عن الأصحاب . وقال : لا فرق بين الأمر بعد الحظر وبين الأمر بعد الاستئذان . قال في القواعد الأصولية : إذا فرعنا [ ص: 333 ] على أن الأمر المجرد للوجوب ، فوجد أمر بعد استئذان ، فإنه لا يقتضي الوجوب ، بل الإباحة . ذكره القاضي محل وفاق . قلت : وكذا ابن عقيل . انتهى . ثم قال : وإطلاق جماعة ظاهره يقتضي الوجوب . منهم الرازي في المحصول ، فإنه جعل الأمر بعد الحظر والاستئذان : الحكم فيهما واحد . واختار أن الأمر بعد الحظر للوجوب . فكذا بعد الاستئذان عنده انتهى . إذا علم ذلك فلا يستقيم قول القاضي وابن عقيل لما استدلا على نقض الوضوء بلحم الإبل بالحديث الذي في مسلم { لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل ؟ فقال : نعم يتوضأ من لحوم الإبل } ومما يقوي الإشكال : أن في الحديث الأمر بالصلاة في مرابض الغنم وهو بعد سؤال ، ولا يجب بلا خلاف ، ولا يستحب . فإن قلت : إذا كان كذلك فلم يستحبون الوضوء منه ؟ والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل ، وعندهم أن هذا الأمر يقتضي الإباحة ؟ قلت : إذا قيل باستحبابه فلدليل غير هذا الأمر . وهو أن الأكل من لحوم الإبل يورث قوة نارية ، فناسب أن تطفأ بالماء ، كالوضوء عند الغضب ، ولو كان الوضوء من أكل لحوم الإبل واجبا على الأمة ، وكلهم كانوا يأكلون لحم الإبل ، لم يؤخر بيان وجوبه ، حتى يسأله سائل فيجيبه . فعلم أن الوضوء من لحومها مشروع . وهو حق . والله أعلم . وقد يقال : الحديث إنما ذكر فيه بيان وجوب ما يتوضأ منه ، بدليل أنه لما سئل عن الوضوء من الغنم ؟ قال { إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ } مع أن الوضوء من لحوم الغنم مباح . فلما خير في لحم الغنم وأمر بالوضوء من لحم الإبل ، دل على أن الأمر ليس لمجرد الإذن ، بل للطلب الجازم . انتهى . وهذا الثاني هو المعتمد في المذهب والمسألة الثالثة - وهي الأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليم . قال في القواعد الأصولية : والأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليم ، كالأمر بعد الاستئذان في الأحكام والمعنى .

وحينئذ فلا يستقيم استدلال الأصحاب على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له { يا رسول الله [ ص: 334 ] قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد } - الحديث - " نعم إن ثبت الوجوب من خارج . فيكون هذا الأمر للوجوب ; لأنه بيان لكيفية واجبة . والله سبحانه وتعالى أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية