الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2164 24 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الوارث وإسماعيل بن إبراهيم ، عن علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عسب الفحل ) .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : مسدد ، الثاني : عبد الوارث بن سعيد ، الثالث : إسماعيل بن إبراهيم ، وهو إسماعيل بن علية ، وقد تكرر ذكره ، الرابع : علي بن الحكم - بالفتحتين - البناني ، بضم الباء الموحدة وتشديد النون الأولى ، الخامس : نافع مولى ابن عمر ، السادس : عبد الله بن عمر .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن مسددا روى عن شيخين ، وفيه أن إسماعيل بن علية ذكر هنا بنسبته إلى أبيه ، وشهرته باسم أمه علية أكثر ، وفيه أن الرواة كلهم بصريون ما خلا نافعا ، وفيه أن علي بن الحكم ثقة عند الجميع إلا أن أبا الفتح الأزدي لينه ، قال بعضهم : لينه بلا مستند ( قلت ) لو لم يظهر عنده شيء لما لينه ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في البيوع عن مسدد عن إسماعيل وحده به ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع وأبي عمار عن إسماعيل به ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم بن علية به ، وعن حميد بن مسعدة عن عبد الوارث به ، وأخرجه ابن ماجه عن حميد بن مسعدة عن عبد الوارث ، وفي الباب عن أبي هريرة ، أخرجه النسائي وابن ماجه من رواية الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عن ثمن الكلب وعسب الفحل ، وفي رواية للنسائي عسب التيس ، وعن أنس أخرجه ابن أبي حاتم في العلل من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب عن أنس أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن أجر عسب الفحل ، قال أبو حاتم : إنما يروي من كلام أنس ويزيد لم يسمع من الزهري وإنما كتب إليه ، وأخرجه النسائي أيضا ، وعن أبي سعيد أخرجه النسائي من رواية هشام عن ابن أبي نعيم عنه قال : نهى عن عسب الفحل ، وعن جابر أخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع ضراب الجمل ، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند من حديث عاصم بن ضمرة عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل ذي ناب من السباع ، وعن كل ذي مخلب من الطيور ، وعن ثمن الميتة ، وعن لحم الحمر الأهلية ، وعن مهر البغي ، وعن عسب الفحل ، وعن المياثر الأرجوان .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به من حرم بيع عسب الفحل وإجارته ، وهو قول جماعة من الصحابة منهم علي وأبو هريرة ، وهو قول أكثر الفقهاء ، كما حكى عنهم الخطابي ، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وجزم أصحاب الشافعي بتحريم البيع لأن ماء الفحل غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه ، وحكوا في إجارته وجهين أصحهما [ ص: 106 ] المنع ، وذهب ابن أبي هريرة إلى جواز الإجارة عليه ، وهو قول مالك ، وإنما يجوز عندهم إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة ، فإن آجره على الطرق حتى يحمل لم يصح ، ورخص فيه الحسن وابن سيرين ، وقال عطاء : لا بأس به إذا لم يجد ما يطرقه .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن بطال : اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينزيه مدة معلومة بأجر معلوم ، وذلك عن أبي سعيد والبراء ، وذهب الكوفيون والشافعي وأبو ثور إلى أنه لا يجوز ، واحتجوا بحديث الباب ، وروى الترمذي من حديث أنس أن رجلا من كلاب سأل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن عسب الفحل ، فنهاه ، فقال : يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم ، فرخص في الكرامة ، ثم قال : حسن غريب .

                                                                                                                                                                                  وفيه جواز قبول الكرامة على عسب الفحل وإن حرم بيعه وإجارته ، وبه صرح أصحاب الشافعي ، وقال الرافعي : ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئا على سبيل الهدية ، خلافا لأحمد ، انتهى ، وما ذهب إليه أحمد قد حكي عن غير واحد من الصحابة والتابعين ، فروى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناده إلى مسروق قال : سألت عبد الله عن السحت قال : الرجل يطلب الحاجة فيهدى إليه فيقبلها ، وروي عن ابن عمر أن رجلا سأله أنه تقبل رجلا أي ضمنه ، فأعطاه دراهم وحمله وكساه ، فقال : أرأيت لو لم تقبله أكان يعطيك ؟ قال : لا ، قال : لا يصلح لك ، وروى أيضا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو أنه أتى إلى أهله فإذا هدية ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : الذي شفعت له ، فقال : أخرجوها ، أتعجل أجر شفاعتي في الدنيا ؟ وروي عن عبد الله بن جعفر أنه كلم عليا في حاجة دهقان ، فبعث إلى عبد الله بن جعفر بأربعين ألفا ، فقال : ردوها عليه ، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف ، وقد روي نحو هذا في حديث مرفوع رواه أبو داود في سننه من رواية خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ، وهذا معنى ما ورد : كل قرض جر منفعة فهو ربا ، وروى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث أبي عامر الهوزني عن أبي كبشة الأنماري أنه أتاه فقال : أطرقني فرسك فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من أطرق فرسا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليها في سبيل الله وإن لم يعقب كان له كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله ، قوله : " أطرقني " أي أعرني فرسك للإنزاء ، ثم الحكمة في كراهة إجارته عند من يمنعها أنها ليست من مكارم الأخلاق ، ومن جوزها من الشافعية والحنابلة بمدة معلومة ، قاسها على جواز الاستئجار لتلقيح النخل ، وهو قياس بالفارق لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه بخلاف تلقيح النخل .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية