الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2213 20 - حدثنا أحمد بن المقدام قال : حدثنا فضيل بن سليمان قال : حدثنا موسى قال : أخبرنا نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الرزاق : قال : أخبرنا ابن جريج قال : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها ، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين ، وأراد إخراج اليهود منها ، فسألت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نقركم بها على ذلك ما شئنا ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء ، وأريحاء .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله : " نقركم بها على ذلك ما شئنا " .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : أحمد بن المقدام بكسر الميم ابن سليمان أبو الأشعث العجلي . الثاني : فضيل - مصغر فضل - بن سليمان النميري ، مضى في الصلاة . الثالث : موسى بن عقبة بن أبي عياش . الرابع : نافع مولى ابن عمر . الخامس : عبد الله بن عمر . السادس : عبد الرزاق بن همام الحميري . السابع : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده ) :

                                                                                                                                                                                  فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد .

                                                                                                                                                                                  وفيه : الإخبار [ ص: 179 ] بصيغة الجمع في موضعين .

                                                                                                                                                                                  وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع .

                                                                                                                                                                                  وفيه : القول في ثلاثة مواضع .

                                                                                                                                                                                  وفيه : أن شيخه من أفراده ، وأنه وفضيل بن سليمان بصريان ، وأن موسى بن عقبة مدني ، وأن عبد الرزاق يمامي ، وأن ابن جريج مكي ، وأن نافعا مدني .

                                                                                                                                                                                  وفيه : أنه أخرجه موصولا من طريق فضيل ومعلقا من طريق ابن جريج ، وأنه ساقه على لفظ الرواية المعلقة ، وأخرج المعلق مسندا في كتاب الخمس ، فقال : حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا الفضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ، وطريق ابن جريج أخرجه مسلم رضي الله عنه في البيوع ، عن محمد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن عبد الرزاق به .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) :

                                                                                                                                                                                  قوله : " أجلى " قال الهروي : جلا القوم عن مواطنهم ، وأجلى بمعنى واحد ، والاسم الجلاء والإجلاء ، يقال : جلا عن الوطن يجلو جلاء ، وأجلى يجلي إجلاء : إذا خرج مفارقا ، وجلوته أنا وأجليته وكلاهما لازم ومتعد . قوله : " من أرض الحجاز " قال الواقدي : الحجاز من المدينة إلى تبوك ، ومن المدينة إلى طريق الكوفة ، ومن وراء ذلك إلى مشارق أرض البصرة ، فهو نجد ، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف نجد ، وما كان من وراء وجرة إلى البحر ، فهو تهامة ، وما كان بين تهامة ونجد ، فهو حجاز ، وإنما سمي حجازا ; لأنه يحجز بين تهامة ونجد . وقال الكرماني : الحجاز هو مكة والمدينة واليمن ومخاليفها وعمارتها .

                                                                                                                                                                                  ( قلت ) : لم أدر من أين أخذ الكرماني أن اليمن من الحجاز ، نعم هي من جزيرة العرب ، قال المديني : جزيرة العرب خمسة أقسام : تهامة ، ونجد ، وحجاز ، وعروض ، ويمن ، ولم يذكر أحد أن اليمن من أرض الحجاز . قوله : " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم " إلى آخره موصولا لابن عمر . قوله : " لما ظهر " ، أي : غلب . قوله : " لله ولرسوله وللمسلمين " كذا في الأصول ، وكذا عند ابن السكن عن الفربري .

                                                                                                                                                                                  وفي رواية فضيل بن سليمان التي تأتي : وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين ، ووفق المهلب بين الروايتين بأن رواية ابن جريج محمولة على الحال التي آل إليها الأمر بعد الصلح ، ورواية فضيل محمولة على الحال التي كانت قبل ، وذلك أن خيبر فتح بعضها صلحا وبعضها عنوة ، فالذي فتح عنوة كان جميعه لله ولرسوله وللمسلمين ، والذي فتح صلحا كان لليهود ، ثم صار للمسلمين بعقد الصلح . قوله : " ليقرهم " ، أي : ليسكنهم . قوله : " أن يكفوا بها " ، أي : بأن يكفوا بها ، وكلمة أن مصدرية تقديره : لكفاية عمل نخيلاتها ومزارعها والقيام بتعهدها وعمارتها .

                                                                                                                                                                                  وفي رواية أحمد عن عبد الرزاق أن يقرهم بها على أن يكفوا " ، أي : على كفايتها . قوله : " على ذلك " ، أي : على ما ذكر من كفاية العمل ونصف الثمر لهم . قوله : " فقروا بها " بفتح القاف ، أي : سكنوا بها ، أي : بخيبر ، وضبطه بعضهم بضم القاف وله وجه . قوله : " إلى تيماء وأريحاء " تيماء بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف ، وبالمد من أمهات القرى على البحر من بلاد طيئ ، ومنها يخرج إلى الشام قاله ابن قرقول ، وفي المغرب : تيماء موضع قريب من المدينة ، وأريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها حاء مهملة وبالمد ويقال لها أريح أيضا ، وهي قرية بالشام قاله البكري ، سميت بأريحاء بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) :

                                                                                                                                                                                  قال القرطبي : تمسك بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول بقوله نقركم بها على ذلك ما شئنا ، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا لأجل معلوم ، قالوا : وهذا الكلام كان جوابا لما طلبوا حين أراد إخراجهم منها ، فقالوا : نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل ، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته وبعد ذلك عاملهم على المساقاة ، وقد دل على ذلك قول عمر رضي الله تعالى عنه عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على شطر ما يخرج منها ، ففرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح ، وزعم النووي أن المساقاة جازت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة في أول الإسلام ، يعني : بغير أجل معلوم قال : وقال أبو ثور : إذا أطلقا المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة . قال ابن بطال : وهو قول محمد بن الحسن . ( قلت ) : ليس هذا قول محمد بن الحسن ، وهذا غلط وإنما هو قول محمد بن سلمة ، فإنه قال تجوز المزارعة بلا بيان المدة ، فكذلك المساقاة تجوز لأنها كالمزارعة . وقال صاحب الهداية : وشرط بيان المدة في المساقاة لأنها كالمزارعة ، وكل واحد منهما كالإجارة ، فلا يجوز إلا ببيان المدة ، فإذا لم يبينا لم تجز ، وبه قال الشافعي وأحمد ، إلا أنه ينبغي أن يكون أقل المدة ما يمكن إدراك الثمرة فيه ، وبه قال أحمد .

                                                                                                                                                                                  واختلفت أقوال الشافعي في [ ص: 180 ] أكثر مدة الإجارة والمساقاة ، فقال في موضع : سنة . وقال في موضع إلى ثلاثين سنة . وقال ابن قدامة في المغني : وهذا تحكم . وقال في موضع إلى ما شاء وبه قال أحمد . وقال أصحابنا في الاستحسان : إذا لم يبين المدة يجوز ، ويقع على أول ثمر يخرج في تلك السنة . ( فإن قلت ) : قد ذكرت الآن إذا لم يبينا المدة لم يجز ، وهنا تقول يجوز . ( قلت ) : ذاك قياس ، وهذا استحسان ويقع العقد على أول ثمرة تخرج في تلك السنة ; لأن لإدراكها وقتا معلوما وإن تأخر أو تقدم ، فذلك يسير ، فلا يقع بسببه المنازعة عادة بخلاف الزرع ، فإنه لا يجوز بلا ذكر المدة قياسا ، واستحسانا ; لأن ابتداءه يختلف كثيرا خريفا وصيفا وربيعا ، فتقع الجهالة في الابتداء ، والانتهاء بناء عليه ، ولو لم تخرج الثمرة في المساقاة في أول السنة التي وقع العقد فيها بدون ذكر المدة تبطل المساقاة ، وفي التوضيح : كل من أجاز المساقاة ، فإنه أجازها إلى أجل معلوم إلا ما ذكر ابن المنذر عن بعضهم أنه يؤول الحديث على جوازها بغير أجل ، وأئمة الفتوى على خلافه ، وأنها لا تجوز إلا بأجل معلوم . وقال مالك : الأمر عندنا في النخل تساقى السنتين والثلاث والأربع والأقل والأكثر ، وأجازها أصحابه في عشر سنين ، فما دونها . وقال القرطبي : فإن قيل لم ينص ابن عمر ولا غيره على مدة معلومة ممن روى هذه القصة ، فمن أين لكم اشتراط الأجل ، فالجواب أن الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أقركم ما أقره الله " لا يوجب فساد عقده ويوجب فساد عقد غيره بعده ; لأنه كان ينزل عليه الوحي بتقرير الأحكام ونسخها ، فكان بقاء حكمه موقوفا على تقرير الله تعالى له ، فإذا شرط ذلك في عقده لم يوجب فساده ، وليس كذلك صورته من غيره ; لأن الأحكام قد ثبتت وتقررت .

                                                                                                                                                                                  وفيه مساقاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - على نصف الثمر تقتضي عموم الثمر ، ففيه حجة لمن أجازها في الأصول كلها ، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي ، وأبي يوسف وبه قال أحمد وإسحاق ، وأبو ثور . وقال الشافعي : لا يجوز إلا في النخل والكرم خاصة ، وجوزها في القديم في سائر الأشجار المثمرة . وقال أصحابنا : تجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب ، وأصول الباذنجان ، ولم يجوز الشافعي قولا واحدا في الرطاب . وقال داود : لا يجوز إلا في النخل خاصة ، وعن مالك جواز المساقاة في المقاثي والبطيخ والباذنجان .

                                                                                                                                                                                  وفيه : إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه اليهود من الحجاز ; لأنه لم يكن لهم عهد من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على بقائهم في الحجاز دائما بل كان ذلك موقوفا على مشيئته ، ولما عهد - صلى الله تعالى عليه وسلم - عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب وانتهت النوبة إلى عمر رضي الله تعالى عنه أخرجهم إلى تيماء ، وأريحاء بالشام .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية