الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2287 9 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها ، وكدت أن أعجل عليه ، ثم أمهلته حتى انصرف ، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها فقال لي : أرسله ، ثم قال له : اقرأ ، فقرأ قال : هكذا أنزلت [ ص: 258 ] ثم قال لي : اقرأ فقرأت فقال : هكذا أنزلت; إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا منه ما تيسر .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " ثم لببته بردائه " فإن تلبيبه يدل على كلام كثير وقع بينهما ، يقال : لببت الرجل بالتشديد تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره في الخصومة ثم جررته ، وهذا أقوى من مجرد القول; لأن فيه امتدادا باليد زيادة على القول ، وكان جواز هذا الفعل بحسب ما أدى عليه اجتهاده .

                                                                                                                                                                                  (ذكر رجاله) وهم ستة; عبد الله بن يوسف التنيسي ، وهو من أفراده ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عبد القاري بالقاف والراء الخفيفة وتشديد الياء ، نسبة إلى بني قارة بن الديش بن محلم بن غالب بن ربيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة ، والمشهور أنه تابعي ، وقد يقال : إنه صحابي ، توفي بالمدينة سنة ثمانين ، وله ثمان وسبعون سنة ، وهشام بن حكيم بفتح الحاء ابن حزام بكسر الحاء وتخفيف الزاي القرشي ، الصحابي ابن الصحابي ، أسلم يوم الفتح ، وكان من فضلاء الصحابة ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وروى البخاري هذا الحديث في فضائل القرآن من حديث عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القاري ، عن عمر به . قال الدارقطني : رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن المسور ، عن عمر . ورواه مالك بإسقاط المسور ، وكلها صحاح عن الزهري ، ورواه يحيى بن بكير عن مالك فقال : عن هشام ، ووهم ، والصحيح ابن شهاب .

                                                                                                                                                                                  (ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري في فضائل القرآن : عن سعيد بن عفير ، وفي التوحيد : عن يحيى بن بكير ، عن ليث ، عن عقيل ، وفي استتابة المرتدين ، وقال الليث : حدثني يونس ، وفي فضائل القرآن أيضا عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وأخرجه مسلم في الصلاة : عن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وعن حرملة عن ابن وهب ، وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه : عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه الترمذي في القراءة : عن الحسن بن علي الخلال ، وأخرجه النسائي في الصلاة : عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين ، وفي فضائل القرآن أيضا عنهما .

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه) قوله : "وكدت أن أعجل عليه " يعني في الإنكار عليه والتعرض له ، قوله : " حتى انصرف " أي من القراءة ، قوله : " ثم لببته " بالتشديد من التلبيب ، وقد مر تفسيره ا; لأن قوله : " فقال لي : أرسله " أي فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أرسله ، أي هشام بن حكيم ، وكان ممسوكا معه ، قوله : " هكذا أنزلت " قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه في قراءة الاثنين كليهما ، ولم يبين أحد كيفية الخلاف الذي وقع بينهما ، قوله : " على سبعة أحرف " اختلفوا في معنى هذا على عشرة أقوال :

                                                                                                                                                                                  الأول : قال الخليل هي القراءات السبع ، وهي الأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي تنتظم منها الكلمة ، فيقرأ على سبعة أوجه; كقوله : نرتع ونلعب قرئ على سبعة أوجه .

                                                                                                                                                                                  (فإن قلت) : كيف يجوز إطلاق العدد على نزول الآية ؟ وهي إذا نزلت مرة حصلت كما هي إلا أن ترفع ثم تنزل بحرف آخر . (قلت) : أجابوا عنه بأن جبريل عليه الصلاة والسلام كان يدارس رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم القرآن في كل رمضان ويعارضه إياه ، فنزل في كل عرض بحرف ، ولهذا قال : أقرأني جبريل عليه الصلاة والسلام على حرف ، فراجعته فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف .

                                                                                                                                                                                  واختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف ؟ فمنعه الطبري وغيره وقال : إنما يجوز بحرف واحد اليوم ، وهو حرف زيد ونحى إليه القاضي أبو بكر ، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها الله تعالى ، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه الله تعالى ، بل هي موجودة في قراءتنا ، وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها ، فيجوز على هذا ، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف ، فيحفظ حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك; لأن الله تعالى أنزلها تيسيرا على عبده ورفقا ، وقال الخطابي : الأشبه فيه ما قيل : إن القرآن أنزل مرخصا للقارئ بأن يقرأ [ ص: 259 ] بسبعة أحرف على ما تيسر ، وذلك إنما هو فيما اتفق فيه المعنى أو تقارب ، وهذا قبل إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فأما الآن فلا يسعهم أن يقرأه على خلاف ما أجمعوا عليه .

                                                                                                                                                                                  القول الثاني : قال أبو العباس أحمد بن يحيى : سبعة أحرف هي سبع لغات فصيحة من لغات العرب : قريش ، ونزار ، وغير ذلك .

                                                                                                                                                                                  الثالث : السبعة كلها لمضر لا لغيرها ، وهي مفرقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة .

                                                                                                                                                                                  الرابع : أنه يصح في الكلمة الواحدة .

                                                                                                                                                                                  الخامس : السبعة في صورة التلاوة كالإدغام وغيره .

                                                                                                                                                                                  السادس : السبعة هي سبعة أنحاء : زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال .

                                                                                                                                                                                  السابع : سبعة أحرف هي الإعراب; لأنه يقع في آخر الكلمة ، وذكر عن مالك أن المراد به إبدال خواتيم الآي فيجعل مكان غفور رحيم سميع بصير ما لم يبدل آية رحمة بعذاب أو عكسه .

                                                                                                                                                                                  الثامن : المراد من سبعة أحرف الحروف والأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي ينتظم منها كلمة ، فيقرأ على سبعة أحرف نحو : عبد الطاغوت ونرتع ونلعب قرئ على سبعة أوجه .

                                                                                                                                                                                  التاسع : هي سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة نحو أقبل وتعال وهلم ، وعن مالك إجازة القراءة بما ذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه : " فامضوا إلى ذكر الله " قيل : أراد به أنه لا بأس بقراءته على المنبر كما فعل عمر ليبين أن المراد به الجري .

                                                                                                                                                                                  العاشر : أن المراد بالسبعة الإمالة والفتح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار ، وقال بعض المتأخرين : تدبرت وجوه الاختلاف في القراءات فوجدتها سبعة ، منها ما تتغير حركته ويبقى معناه وصورته مثل : هن أطهر لكم وأطهر ، ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته مثل : ربنا باعد وبعد ، ومنها ما يتغير معناه بالحروف ولا يختلف بالإعراب ولا تتغير صورته نحو : ننشرها وننشزها ، ومنها ما تتغير صورته دون معناه : كالعهن المنفوش ، قرأ سعيد بن جبير : كالصوف ، ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل : وطلح منضود قرأ علي رضي الله تعالى عنه : وطلع ، ومنها التقديم والتأخير مثل : وجاءت سكرة الموت بالحق قرأ أبو بكر وطلحة رضي الله تعالى عنهما : وجاءت سكرة الحق بالموت ، ومنها الزيادة والنقصان مثل : تسع وتسعون نعجة أنثى في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وقال القاضي عياض : قيل : السبعة توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر ، وقال الأكثرون : هو حصر العدد في السبعة ، قيل : هي في صورة التلاوة وكيفية النطق من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق ومد وإمالة ليقرأ كل بما يوافق لغته ويسهل على لسانه ، أي كما لا يكلف القرشي الهمز ، واليمني تركه ، والأسدي فتح حرف المضارعة ، وقال ابن أبي صفرة : هذه السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث ، وهو الذي جمع عليه عثمان رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  (ذكر ما يستفاد منه) فيه انقياد هشام لعلمه أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يرد إلا خيرا ، وفيه ما كان عليه عمر رضي الله تعالى عنه من الصلابة ، وكان هشام من أصلب الناس بعده ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه إذا كره شيئا يقول : لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم ، وفيه مشروعية القراءة بما تيسر عليه دون أن يتكلف ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث : " فاقرؤوا ما تيسر منه " أي ما تيسر لكم من القرآن وحفظه .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية