الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 2868 ) فصل : ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق ، فيما زاد على صفقة ، سواء اشتراها من واحد أو من جماعة . وقال الشافعي : يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا ، من رجل واحد ، ومن رجال ، في عقود متكررة ; لعموم حديث زيد وسهل ، ولأن كل عقد جاز مرة ، جاز أن يتكرر ، كسائر البيوع .

                                                                                                                                            ولنا ، عموم النهي عن المزابنة ، استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق ، فما زاد يبقى على العموم في التحريم . ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة إذا كان نوعا واحدا ، لا يجوز في عقدين ، كالذي على وجه الأرض ، وكالجمع بين الأختين ، فأما حديث سهل فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين ; بدليل ما روينا ، فيدل على تحريم الزيادة عليهما ، ثم إن المطلق يحمل على المقيد كما في العقد الواحد . فأما إن باع رجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز .

                                                                                                                                            وقال أبو بكر والقاضي : لا يجوز ; لما ذكرنا في المشتري . [ ص: 59 ] ولنا أن المغلب في التجويز حاجة المشتري ; بدليل ما روى محمود بن لبيد قال : { قلت لزيد بن ثابت : ما عراياكم هذه ؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار ، شكوا إلى رسول الله أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه ، وعندهم فضول من التمر ، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطبا . } وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري ، لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع ، فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق .

                                                                                                                                            ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري وحاجة البائع إلى البيع ، أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق ، إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين ، فتسقط الرخصة . فإن قلنا : لا يجوز ذلك ، بطل العقد الثاني . فإن اشترى عريتين أو باعهما ، وفيهما أقل من خمسة أوسق ، جاز ، وجها واحدا . ( 2869 ) الفصل الثالث ، أنه لا يشترط في بيع العرية أن تكون موهوبة لبائعها . هذا ظاهر كلام أصحابنا . وبه قال الشافعي . وظاهر قول الخرقي ، أنه شرط .

                                                                                                                                            وقد روى الأثرم ، قال : سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا . فقال : العرايا أن يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة أو المسكنة ، فللمعري أن يبيعها ممن شاء . وقال مالك : بيع العرايا الجائز هو أن يعري الرجل الرجل نخلات من حائطه ، ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعري ; لأنه ربما كان مع أهله في الحائط ، فيؤذيه دخول صاحبه عليه ، فيجوز أن يشتريها منه . واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخيل عاما . قال أبو عبيد : الإعراء ، أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك . قال الشاعر الأنصاري يصف النخل :

                                                                                                                                            ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح

                                                                                                                                            يقول : إنا نعريها الناس . فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه لغة ومقتضاه في العربية ، ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك .

                                                                                                                                            ولنا ، حديث زيد بن ثابت ، وهو حجة على مالك ، في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب ، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق ، لعدم اختصاص الحاجة بها . ولم يجز بيعها بالتمر ; لأن الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخيل الكثير يعريه الناس ، أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية ، وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها ; لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب ، ولا ثمن معه سوى التمر ، فمتى وجد ذلك ، جاز البيع .

                                                                                                                                            ولأن اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبا ، ولا ثمن معه ، يفضي إلى سقوط الرخصة ، إذ لا يكاد يتفق ذلك . ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوبا ، جاز وإن لم يكن موهوبا ، كسائر الأموال ، وما جاز بيعه لواهبه ، جاز لغيره ، كسائر الأموال ، وإنما سمي عرية لتعريه عن غيره ، وإفراده بالبيع .

                                                                                                                                            ( 2870 ) الفصل الرابع : أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر ، لا أقل منه ولا أكثر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل ، ولا يجوز جزافا . لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا ; لما روى زيد بن ثابت ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا . } متفق عليه ولمسلم ، أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا . ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين ، سقط في أحدهما للتعذر ، فيجب في الآخر بقضية الأصل . ولأن ترك الكيل من الطرفين يكثر الغرر ، وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر ، ولا يلزم [ ص: 60 ] من صحته مع قلة الغرر ، صحته مع كثرته .

                                                                                                                                            ومعنى خرصها بمثلها من التمر ، أن يطيف الخارص بالعرية ، فينظر كم يجيء منها تمرا ، فيشتريها المشتري بمثلها تمرا . وبهذا قال الشافعي . ونقل حنبل عن أحمد ، أنه قال : يخرصها رطبا ، ويعطي تمرا رخصة . وهذا يحتمل الأول ، ويحتمل أنه يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها ; لأنه بيع اشترطت المماثلة فيه ، فاعتبرت حال البيع كسائر البيوع . ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال ، وأن لا يباع الرطب بالتمر . خولف الأصل في بيع الرطب بالتمر ، فيبقى فيما عداه على قضية الدليل .

                                                                                                                                            وقال القاضي : الأول أصح ; لأنه يبنى على خرص الثمار في العشر والصحيح ، ثم خرصه تمرا . ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار ، وبيع الرطب بمثله تمرا يفضي إلى فوات ذلك . فأما إن اشتراها بخرصها رطبا ، لم يجز . وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي . والثاني يجوز . والثالث ، لا يجوز مع اتفاق النوع ، ويجوز مع اختلافه .

                                                                                                                                            ووجه جوازه ، ما روى الجوزجاني ، عن أبي صالح ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت ، { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب ، أو التمر ، ولم يرخص في غير ذلك . } ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال ، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى . ولنا ، ما روى مسلم بإسناده عن زيد بن ثابت ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا . } وعن سهل بن أبي حثمة ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر ، وقال : ذلك الربا ، تلك المزابنة . إلا أنه رخص في العرية ، النخلة والنخلتين ، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا ، يأكلونها رطبا . }

                                                                                                                                            ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرا ، فلم يجز بيعه بمثله رطبا ، كالتمر الجاف . ولأن من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده ، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري ، على ما أسلفناه .

                                                                                                                                            وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر ، فلا يجوز العمل به مع الشك ، سيما وهذه الأحاديث تبينه ، وتزيل الشك .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية