الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
الوجه الثالث: أنه ينبغي أن يعرف أن الأمثال والمقاييس تضرب للشيء، تارة لخفاء حكمه وظهوره بالتمثيل، سواء كان التمثيل لتصوره أو للتصديق به، وتارة يكون هو في نفسه مع سلامة الفطرة جليا بديهيا ظاهرا، ولكن في القلب ظن أو هوى يصرفه عن معرفة نفسه، فضرب المثل الذي لا يعارض [ ص: 145 ] الحق فيه لا ظن ولا هوى، فيدركه القلب، ويعلم أن هذا مثل ذلك بالضرورة، فينقاد إلى الحق لزوال المانع، فالغرض أن الأمثال تضرب تارة لتحقيق المقتضى، وتارة لدفع المانع، ويكون المقصود بها العلم تصورا أو تصديقا، ويكون المقصود بها أيضا اتباع العلم والعمل بموجبه أيضا، وهذا كما أن الملكين لما نزلا على داود فقالا: فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه الآية [ص: 22 - 24]. فلما حكم داود تبين أن هذا مثل مضروب له، وعلم حال نفسه، [ومعلوم أن الأدلة العلمية على قضية كلية [يحصل بها التصورات] العلمية على هذه القضية]؛ لكن هذه لم يكن فيها مانع يخاف أن يعوقه عن معرفة الحق واتباعه، فكان التمثيل بما يؤمن فيه المانع محصلا للمقصود، وما نحن فيه من تمثيل المكان وتقديره بالزمان، وتقديره هو من هذا الباب، فإن مورد النزاع قد حصل فيه للمنازع من الاعتقاد ما قد يصرف عن تصور المطلوب، وإلا فالأمران بديهيان فطريان ضروريان في الحقيقة.

وإذا كان كذلك فنحن نتكلم على ما ضرب من المثل، [ ص: 146 ] فيقول له المنازع: لا أعقل موجودا مع غيره خاليا عن التقدم عليه والحدوث، وهذا هو المثل الذي ضربه، والأصل الذي مثل به: وهو خلو الموجود عن هذين النعتين جميعا اللذين لابد للموجود من أحدهما؛ فإن الذي سبقه غيره محدث، والذي سبق غيره، أو سبق كل شيء قديم، [يـ] قال: "وكذلك مسألتنا، لا أعقل موجودا مع غيره خاليا عن العلو والسفول، خاليا عن الدخول في غيره / والخروج عنه" فهو أيضا ذكر خلو الموجود مع غيره عن هذين النعتين، وكل من هذين النعتين ينقسم إليهما الموجود له، والموصوف به نسبة وإضافة إلى النعت الآخر وموصوفه، فللقدم والقديم نسبة وإضافة إلى المحدث والحدث وبالعكس، وكذلك العلو والعلي نسبة وإضافة إلى السفل والسافل، فالقديم متقدم على المحدث، فلا شيء أقدم منه، والمحدث ما تقدمه القديم، أو ما تقدمه عدم، أي كان بعد أن لم يكن كائنا، فكان قبله تقدير زمان يقدر وجوده فيه، ولم يكن فيه موجودا؛ بل الموجود فيه غيره، والعلي عال على السافل، وهو الأعلى فلا شيء أعلى منه، والسافل ما علاه العلي وما علاه عدم، أي كان يجب [أن يكون] ما لم يكن [ ص: 147 ] فيه، أو كان فوقه حيز، وهو تقدير مكان يقدر وجوده فيه، ولم يكن فيه موجودا؛ بل الموجود فيه غيره، وهذه موازنة صحيحة.

التالي السابق


الخدمات العلمية