الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن بقيت في يده غصوب لا يعرف أربابها : تصدق بها عنهم ، بشرط الضمان كاللقطة ) . إذا بقي في يده غصوب لا يعرف أصحابها ، فسلمها إلى الحاكم : برئ من عهدتها ، بلا نزاع . ويجوز له التصدق بها عنهم بشرط ضمانها . ويسقط عنه إثم الغصب . على الصحيح من المذهب . وعليه الأصحاب . وجزم به في المغني ، والشرح ، والوجيز ، وغيرهم . قال في القاعدة السابعة والتسعين : لم يذكر أصحابنا فيه خلافا . وقال في القاعدة السادسة بعد المائة : ويتصدق بها عنه . على الصحيح وقدمه في الفروع ، والفائق ، وغيرهما . نقل المروذي : يعجبني الصدقة بها . وقال في الغنية : عليه ذلك . ونقل أيضا : على فقراء مكانه إن عرفه . ونقل صالح : أو بقيمته . وله شراء عرض بنقد ويتصدق به . ولا تجوز محاباة قريب وغيره . نص عليهما . وظاهر نقل حرب في الثانية : الكراهة . قال في الفروع : وهو ظاهر كلامهم في غير موضع . انتهى . وعنه : ليس له الصدقة بها . ذكرها القاضي في كتاب الروايتين . وهو تخريج في الشرح ، والفائق .

فائدتان : إحداهما : قال الحارثي وغيره : وكذا الرهون ، والودائع ، وسائر الأمانات . [ ص: 213 ] كالأموال المحرمة فيما ذكرنا . وذكر نصوصا في ذلك . وتقدم حكم المرهون في آخر الرهن ويأتي قريبا من ذلك في باب أدب القاضي ، عند حكم الهدية ، والرشوة . وتأتي مسألة الوديعة في بابها . وهل يلزم الحاكم الأخذ أم لا ؟

الثانية : لا يجوز لمن هذه الأشياء في يده وقلنا : له الصدقة بها أن يأخذ منها لنفسه إذا كان من أهل الصدقة . نص عليه . وخرج القاضي : جواز الأكل منها إذا كان فقيرا ، على الروايتين في شراء الوصي من نفسه . نقله عنه ابن عقيل في فنونه . وأفتى به الشيخ تقي الدين رحمه الله في الغاصب إذا تاب .

تنبيه : ظاهر قوله " لا يعرف أربابها " أنه لا يتصدق بها إلا مع عدم معرفة أربابها ، سواء كان قليلا أو كثيرا . وهو المذهب . وقدمه في الفروع . ونقل الأثرم وغيره : له الصدقة بها إذا علم ربها وشق دفعه إليه ، وهو يسير ، كحبة . وقطع به في القاعدة السابعة والتسعين ، فقال : له الصدقة به عنه . نص عليه في مواضع . وقال الحارثي : إذا علم الغاصب المالك : فهنا حالتان .

إحداهما : انقطاع خبره لغيبة : إما ظاهرها السلامة كالتجارة ، والسياحة . ومضت مدة الإياس ، ولا وارث له : تصدق بها كما لو جهل . نص عليه . وإما ظاهرها الهلاك كالمفقود من بين أهله ، أو في مهلكة ، أو بين الصفين ونحوه . وكذلك أربع سنين ، وأربعة أشهر وعشر ، ولا وارث له تصدق به أيضا . نص عليه . وإن كان له وارث : سلم إليه . وأنكر أبو بكر : الزيادة على الأربع سنين ، وقال : لا معنى للأربعة أشهر في ذلك . [ ص: 214 ] قال القاضي ، وغيره : أصل المسألة : هل يقسم مال المفقود للمدة التي تباح زوجته فيها ، أو لأربع سنين فقط على روايتين . وإن لم تمض المدة المعتبرة : ففي المال المحرم يتعين التسليم إلى الحاكم من غير انتظار . وأما ما اؤتمن عليه كالوديعة ، والرهن : فليس عليه الدفع إليه .

الحالة الثانية : أن يعلم وجوده . فإن كان غائبا : سلم إلى وكيله ، وإلا فإلى الحاكم . وإن كان حاضرا فإليه أو إلى وكيله . وإن علم موته : فإلى ورثته . فإن لم يكن له ورثة : تصدق به . نص عليه . ولا يكون لبيت المال فيه شيء . ويأتي : إذا كسب مالا حراما برضى الدافع ونحوه ، في باب أدب القاضي ، عند الكلام على الهدية للحاكم .

تنبيه : قول المصنف " كاللقطة " قال الحارثي : الأليق فيه التشبيه بأصل الضمان . لا في مضمون الصدقة والضمان . فإن المذهب في " اللقطة " التملك لا التصدق . انتهى . قلت : بل الصحيح من المذهب : جواز التصدق باللقطة التي لا تملك بالتعريف على ما يأتي من كلام المصنف في اللقطة . قال الشارح هنا : وعنه في اللقطة لا تجوز الصدقة بها . فيتخرج هنا مثله . فوائد

إحداها : قال في الفروع : لم يذكر الأصحاب في ذلك سوى الصدقة بها . ونقل إبراهيم بن هانئ : يتصدق بها ، أو يشتري بها كراعا ، أو سلاحا يوقف . هو مصلحة للمسلمين . انتهى . قلت : قد ذكر ذلك الحارثي . وقال عن ذلك : ينزل منزلة الصدقة . انتهى . [ ص: 215 ] قال في الفروع : وسأله جعفر عمن مات ، وكان يدخل في أمور تكره ، فيريد بعض ولده التنزه ؟ فقال : إذا دفعها إلى المساكين ، فأي شيء بقي عليه ؟ واستحسن أن يوقفها على المساكين . ويتوجه على أفضل البر . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : تصرف في المصالح . وقاله في وديعة وغيرها . وقال : قاله العلماء . وأنه مذهبنا . ومذهب أبي حنيفة ، ومالك . وهذا مراد أصحابنا . لأن الكل صدقة . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : من تصرف فيه بولاية شرعية لم يضمن . وقال : ليس لصاحبه إذا عرف رد المعاوضة ، لثبوت الولاية عليها شرعا للحاجة . كمن مات ولا ولي له ، ولا حاكم . مع أنه ذكر أن مذهب الإمام أحمد رحمه الله : وقف العقد للحاجة لفقد المالك ، ولغير حاجة الروايتان . وقال فيمن اشترى مال مسلم من التتار لما دخلوا الشام : إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح ، وأعطى مشتريه ما اشتراه به . لأنه لم يصر لها إلا بنفقته وإن لم يقصد ذلك . كما رجحه فيمن اتجر بمال غيره وربح . ونص في وديعة : تنتظر ، كمال مفقود . وأن جائزة الإمام أحب إليه من الصدقة . قال القاضي : إن لم يعرف أن عينه مغصوب : فله قبوله . وسوى ابن عقيل وغيره بين وديعة وغصب . ذكرهما الحلواني كرهن .

الثانية : إذا تصدق بالمال ، ثم حضر المالك : خير بين الأجر وبين الأخذ من المتصدق . فإن اختار الأجر : فذاك . وإن اختار الأخذ : فله ذلك . والأجر للغارم . نص عليه في الرهن . قاله الحارثي .

الثالثة : إذا لم يبق درهم مباح . فقال في النوادر : يأكل عادته . لا ما له عنه غنية . كحلواء وفاكهة .

التالي السابق


الخدمات العلمية