الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما السن فقد حكي عن مالك أنه لا يتعلق به البلوغ بحال ، وإنما يكون البلوغ بالاحتلام وغلظ الصوت وانشقاق الغضروف ؛ لأن البلوغ يختلف بحسب اختلاف الحلق وتباين الناس كاختلاف أعمارهم ، فلم يجز أن يجعل مع اختلافه حدا .

                                                                                                                                            وذهب الشافعي وأبو حنيفة وسائر الفقهاء إلى أن البلوغ يكون بالسن ، وإن اختلفوا فيما يكون به بالغا من السن ، وفيما نذكره من الدليل على الاختلاف في قدره دليل على ثبوت أصله .

                                                                                                                                            واختلفوا في قدر البلوغ بالسن ، فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن البلوغ يكون بخمس عشرة سنة في الغلام والجارية .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : يكون بلوغ الجارية بسبع عشرة سنة ، وبلوغ الغلام بثماني عشرة سنة استدلالا بأن نص الكتاب والسنة يوجبان استصحاب الصغر إلى الاحتلام وتعليق التكليف [ ص: 345 ] قال الله تعالى : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا [ النور : 59 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم .

                                                                                                                                            ثم كان هذا السن مجمعا على البلوغ به فاقتضى أن يكون ما دونه مردودا بظاهر الثمن ، والدلالة على ما قلنا حديث ابن عمر ، رواية ابن جريج ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة ، فأجازني في المقاتلة .

                                                                                                                                            وقد روي عنه أيضا أنه قال : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني ، وعرضت عليه عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة ، فالدلالة من هذين الحديثين من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه لما رده سنة أربع عشرة لأنه لم يبلغ علم أن إجازته سنة خمس عشرة : لأنه قد بلغ ؛ لأنه لا يجوز أن يرده لمعنى ثم يجيزه مع وجود ذلك المعنى .

                                                                                                                                            والثاني : أنه أجازه سنة خمس عشرة في المقاتلة ، وهم البالغون ، وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز لأمراء الأجناد ، أن هذا فرق ما بين الذرية والمقاتلة ، فإن قيل : فيجوز أن يكون ابن عمر بلغ خمس عشرة سنة بالاحتلام لا بالسن ، قيل : هذا خطأ ؛ لأن الحكم المنقول مع السبب يقتضي أن يكون محمولا على ذلك السبب ، كما نقل أن ماعزا زنا فرجم ، والسبب المنقول هو السن ، فعلم أن البلوغ محمول عليه .

                                                                                                                                            فإن قيل : يحتمل أن الرد سنة أربع عشرة للضعف ، والإجازة سنة خمس عشرة للقوة ، كما روي عن سمرة بن جندب أنه قال : " عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فردني وأجاز غلاما ، فقلت رددتني وأجزته ولو صارعته لصرعته ، فقال : صارعه ، فصارعته فصرعته فأجازني " ، فدل على أن الرد والإجازة إنما يتعلق بالضعف والقوة .

                                                                                                                                            قيل : قد يجوز أن يكون الرد في حديث سمرة للضعف والإجازة للقوة حملا له على سببه ، وفي حديث ابن عمر للسن حملا على سببه .

                                                                                                                                            فإن قيل لحديث ابن عمر لا يصح لأنه نقل أن بين أحد والخندق سنة ، وقد روى [ ص: 346 ] الواقدي وأهل السير أن بين أحد والخندق سنتين ، قلنا : نقل ابن عمر أثبت من نقل الواقدي ، وقد تابعه محمد بن إسحاق ، على أنه يجوز أن يكون عرض عليه عام أحد وهو في أول سنة أربع عشرة ، وعرض عليه عام الخندق وهو في آخر سنة خمس عشرة فصار بينهما سنتان ، فإن قيل : إن ابن عمر لا يعرف سن نفسه لأنه لم ير قط ولادته فلم يصح إخباره به ، قلنا لو كان هذا صحيحا حتى لا يجوز الإخبار به لما جاز له الإخبار بنسبه ، ولما جاز بأن يقول : أنا ابن عمر ؛ لأنه لم ير ولادة نفسه على فراش عمر .

                                                                                                                                            فإن قيل : فقد يعلم بنسبه بالاستعاضة ، قيل : وقد يعلم بسنه بالاستعاضة .

                                                                                                                                            ومن الدليل على ما ذكرنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأخذت منه الحدود ، وهذا إن ثبت نص غير محتمل ، وبما ذكرنا يفسد وجه استدلالهم .

                                                                                                                                            ومن الدليل على فساد ما قالوا من الفرق بين بلوغ الغلام والجارية ، وأن للسن معنى يثبت به البلوغ فوجب أن يستويا فيه كالاحتلام .

                                                                                                                                            ولأن الضعف معنى يوجب الحجر فوجب أن يستويا فيه كالجنون ، ولأن ما يكمل به تصرفهما يجب أن يستويا فيه ولا يتفاضلا كالرشد ، ولأنه حال لو أسلم فيها صح إسلامه ، أو تصرف فيها ببيع أو شراء صح تصرفه ، فوجب أن يحكم فيها ببلوغه كالثماني عشرة .

                                                                                                                                            فإذا ثبت أن البلوغ يكون بخمس عشرة سنة فإنما يعني السنين القمرية التي كل سنة منها اثنا عشر شهرا هلالا .

                                                                                                                                            وابتداؤها من حين أن ينفصل المولود من بطن أمه ، وكذا لا ميراث له حتى ينفصل جميعه حيا من الرحم .

                                                                                                                                            وقال أبو يوسف ، ومحمد ، وزفر ، والحسن بن صالح : إذا خرج أكثر المولود من الرحم فحينئذ تعتبر أول سنة .

                                                                                                                                            وإذا علمت حياته عند خروج أكثره ثم خرج باقيه ميتا ورث .

                                                                                                                                            وما قاله الشافعي أولى ؛ لأن أصول الشرع مقررة على أن كل حال ثبت لها حكم لم يزل حكمها إلا بالانفصال عنها كالإيمان .

                                                                                                                                            ولأن وضع الحمل لما أوجب انقضاء العدة لم تنقض إلا بعد انفصال جميعه صار في حكم الحمل ، فلم يجز أن يجري عليه حكم الولادة لتنافيهما .

                                                                                                                                            [ ص: 347 ]

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية