الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما قول الشافعي رضي الله عنه لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره ، فقد روي في القديم حديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره قال أبو هريرة ما لي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمينها بين أكتافكم .

                                                                                                                                            فكان يذهب في القديم إلى أن للجار أن يضع أجذاعه في جدار جاره جبرا بأمره وغير أمره ، وبه قال مالك تعلقا بهذا الحديث ، ثم رجع عنه في الجديد وقال : ليس له أن يضع أجذاعه في جدار جاره إلا بأمره ، كما ليس له أن يتصرف في غير ذلك من الأملاك التي لجاره إلا بأمره .

                                                                                                                                            ولأن الشريك في الملك أقوى من جار الملك ، وليس لأحد الشريكين أن ينفرد بالتصرف ، فالجار أولى وهذا قول أبي حنيفة .

                                                                                                                                            فعلى هذا يكون حديث أبي هريرة محمولا على أحد وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يحمل على الاستحباب والندب لا على الوجوب والحتم .

                                                                                                                                            والثاني : أنه محمول على الجار ليس له منع صاحب الحائط من وضع أجذاعه في حائطه وإن كان مضرا بالجار في منع ضوء أو إشراف ليكون موافقا للأصول .

                                                                                                                                            فإن قيل : لم قال الشافعي في القديم : لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره ، وهو في الجديد لا يقول هذا ، قلنا فيه تأويلان :

                                                                                                                                            أحدهما : بأمره يعني مجاهرا ، وبغير أمره يعني ساترا .

                                                                                                                                            والثاني : بأمره يعني باختياره ، وبغير أمره يعني بإجبار من يرى ذلك من القضاة والحكام .

                                                                                                                                            فإذا تقرر ما ذكرنا فإن قلنا بوجوب ذلك عليه على مذهبه في القديم لم يكن له منع جاره من وضع أجذاعه في جداره ، وكان للجار أن يضع في الجدار ما احتمله من الأجذاع ، [ ص: 392 ] ولو صالحه من وضع الأجذاع على عوض لم يجز لوجوب ذلك عليه ، ومن وجب عليه حق لم يجز أن يعتاض عليه .

                                                                                                                                            ولو انهدم الحائط لم يلزم مالكه أن يبنيه إلا باختياره .

                                                                                                                                            فإن بناه كان للجار أن يعيد أجذاعه فيه .

                                                                                                                                            ولو أراد الجار بناء الحائط عند امتناع صاحبه من بنائه كان له ذلك ليصل بذلك إلى حقه من وضع أجذاعه فيه ، وإذا قلنا بقوله في الجديد إن ذلك ليس بواجب وهو القول الصحيح فليس للجار أن يضع أجذاعه في الجدار إلا بإذن مالكه واختياره ، ويجوز للمالك أن يأذن له فيه بعوض وغير عوض ، لأن ما لا يملك عليه يجوز أن يعاوض عليه إذا كان معلوما ، فإن أذن فيه بغير عوض كانت عارية وجاز أن لا يشترط عدد الأجذاع ولا يعلم طولها ولا موضع تركيبها ، لأن الجهل بمنافع العارية لا يمنع من صحتها ، ثم ليس له أن يرجع في العارية ما بقي الحائط ؛ لأن موضع الأجذاع يراد للاستدامة فكان إطلاقه الإذن محمولا عليه ، كمن أعار أرضه لدفن ميت لم يكن له الرجوع في عاريته وإخراج الميت منها بعد دفنه ، ولكن لو انهدم الحائط وأعاده مالكه فهل لصاحب الأجذاع أن يعيد وضعها فيه بالإذن المتقدم أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : له ذلك لأنه صار مستحقا على التأييد كما لو كان الأول باقيا .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وهو أصح ليس له ذلك إلا بإذن مستحدث ، لأن حكم العارية قد انقطع بانهدام الحائط ، ولأنه إنما استحق تأييد ذلك لما في نزعها من الإضرار به ، وقد لحقه ذلك بانهدامه .

                                                                                                                                            ولكن لو أعار أرضا لدفن ميت فنبشه سبع أعيد دفنه فيها من غير إذن مستحدث وجها واحدا .

                                                                                                                                            ولو أكله السبع لم يجز أن يدفن غيره فيها إلا بإذن جديد لذهاب من كان مستحقا لمنفعة العارية .

                                                                                                                                            ولو كان قد أذن له في وضع جذع في حائطه فانكسر الجذع كان له إعادة غيره .

                                                                                                                                            والفرق بينه وبين الميت أن المنع من الرجوع في عارية القبر لحرمة الميت ، فإذا أكله السبع انقضت حرمته عن المكان .

                                                                                                                                            والمنع من الرجوع في موضع الأجذاع لما يلحقه من الضرر بانهدام السقف وهذا [ ص: 393 ] موجود بعد انكسار الجذع ، فأما إذا أخذ منه على وضع أجذاعه عوضا فلا يصح إلا بعد معرفة عدد الأجذاع وطولها وامتلائها وموضعها من الحائط وقدر دخولها فيه ، لأن المعاوضة تحرس من الجهالة ، ثم اختلف أصحابنا فيه إذا انتفت الجهالة عنه هل يكون بيعا أو إجارة ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون بيعا ، وهذا قول أبي حامد المروروذي ، فعلى هذا يصح على التأييد من غير اشتراط مدة فيه ، ومتى انهدم الحائط ثم بني أعيد وجها واحدا بخلاف العارية التي لا يمنع من صحتها الجهالة بمدة منفعتها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وهو عندي أصح : أنه يكون إجارة ولا يكون بيعا ، لأنه عقد على منفعة لا عين ، فعلى هذا لا يصح إلا باشتراط مدة معلومة تتقدر بها المنفعة ويؤخذ بقلع ذلك عند انقضائها .

                                                                                                                                            وعلى الوجهين معا إن قدر ذلك بمدة صح وكانت إجارة ، وهكذا لو صالحه على إجراء مسيل ماء في أرضه فلا بد من تعيين موضعه وتقدير طوله وعرضه ، ثم إن قدر بمدة صح وكانت إجارة ، وإن لم يقدره كان على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يكون بيعا لما حد من الأرض لإجراء الماء فيه على التأييد .

                                                                                                                                            والثاني : يكون باطلا إذا قيل إنه يكون إجارة .

                                                                                                                                            وأما إن صالحه على سقي ماشيته من عين أو بئر مدة معلومة لم يجز ؛ لأن قدر ما تشربه الماشية مجهول ، وهكذا الزرع ، ولكن لو صالحه على نصف العين أو ثلثها جاز وكان بيعا لا يحتاج إلى تقدير المدة فيه ؛ لأنه عقد على عين ، ولو قدره بمدة خرج عن البيع إلى الإجارة فكان باطلا ؛ لأن إجارة عين الماء منها لا يجوز .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية