الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      الجمع بين الأم وولدها في البيع . لو أن أمة لرجل أجنبي من الناس ، وابن لها صغير لرجل أجنبي من الناس أيضا أيجبران جميعا على أن يجمعا بينهما في قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : قال مالك : نعم يجبران جميعا على أن يجمعا بينهما أو يبيعانهما جميعا ولا يفرق بينهما .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن هلك رجل وترك ابنين وترك أمة وولدها صغارا فأراد الابنان أن [ ص: 303 ] يبيعا الأم وولدها أو يدعا الأم وولدها على حالها بينهما ؟ قال : لا بأس بذلك حتى إذا أرادا القسمة أو البيع أجبرا على أن يجمعا بينهما وقد فسرت لك ذلك عن مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت لو أن رجلين اشتريا أمة ، وولدها صغار صفقة واحدة أكنت تجبرهما على أن يبيعا أو يشتري كل واحد منهما حصة صاحبه ؟ قال : لا ولكنهما يقران ولدها بحال ما اشتريا .

                                                                                                                                                                                      قلت : فلو أن رجلا له أمة وولدها صغار فباع الولد السيد أيجوز البيع في قول مالك ؟ ويأمرهما بأن يجمعا بين الولد وبين الأم أم ينتقض البيع ؟

                                                                                                                                                                                      قال : قال مالك : لا ينبغي له أن يبيع الولد دون الأم .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن فعل ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لم أسمع من مالك فيه شيئا ، وأرى أن يفسخ البيع إلا أن يجمع بينهما في ملك واحد .

                                                                                                                                                                                      قال : وسئل مالك عن أخوين ورثا أمة وولدها صغيرا فأرادا أن يتقاوما الأم وولدها فيأخذ أحدهما الأم والآخر الولد ولا يفرق بين الولد والأم حتى يبلغ الولد ويشترطان ذلك ؟ قال : قال مالك : لا يجوز ذلك لهما إلا أن تقوم الأم وولدها فيأخذها هذا بولدها أو يأخذها هذا بولدها أو يبيعان جميعا في سوق المسلمين ، ولا يجوز أن يتقاوماهما فيأخذ هذا الأم ويأخذ هذا الولد ، وإن اشترطا أن لا يفرق بينهما فلا يجوز ذلك ولو كان الأخوان في بيت واحد . ونزلت بالمدينة فسئل مالك عنها فقال فيها مثل الذي أخبرتك .

                                                                                                                                                                                      قلت : والهبة للثواب في هذا تصير مثل البيع سواء ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قال سحنون : وقد حدثني أنس بن عياض الليثي ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم عليه السبي صفهم فقام ينظر إليهم فإذا رأى امرأة تبكي قال : ما يبكيك ؟ فتقول : بيع ابني ، بيعت ابنتي فيأمر به فيرد إليها } .

                                                                                                                                                                                      وذكر ابن وهب ، عن ابن أبي ذئب وأنس بن عياض ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده { أن أبا أسيد الأنصاري قدم بسبي من البحرين فصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام ينظر إليهم ، فإذا امرأة تبكي فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك ؟ فقالت : بيع ابني في بني عبس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي أسيد : لتركبن فلتجئني به كما بعته بالثمن فركب أبو أسيد فجاء به . ابن لهيعة } ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن يونس بن عبد الرحمن { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب على سرية فأصابوا سبيا فأصابتهم حاجة ومخمصة [ ص: 304 ] فابتاع أعنزا بوصيفة ولها أم ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره فقال : أفرقت بينها وبين أمها يا علي فاعتذر فلم يزل يردد عليه حتى قال : أنا أرجع فأستردها بماعز وهان قبل أن يمس رأسي الماء } .

                                                                                                                                                                                      ابن أبي ذئب ، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة ، عن أبيه ، عن جده ضميرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال لها : ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية أنت ؟ فقالت : يا رسول الله فرق بيني وبين ابني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يفرق بين الوالدة وولدها ، ثم أرسل إليه الذي عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر } .

                                                                                                                                                                                      قال ابن أبي ذئب : ثم أقرأني كتابا عنده . ابن وهب ، عن ابن أبي ذئب ، عمن سمع سالم بن عبد الله يذكر عن أبيه أنه قال : لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها فقال سالم : وإن لم يعتدل القسم ؟ قال عبد الله : وإن لم يعتدل القسم . وأخبرني عن الليث بن سعد قال : أدركت الناس وهم يفرقون بين الأخوين في البيع وبين الوالد وولده ولا يفرقون بين الأم وولدها حتى يبلغ . قال : فقلت له : وما حد ذلك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : حده أن ينفع نفسه ويستغني عن أمه فوق عشر سنين أو نحو ذلك ، وسألت مالكا عن الحديث الذي جاء : { لا توله والدة على ولدها } فقال لي مالك : أما نحن فنقول : لا يفرق بين الوالدة وولدها حتى يبلغ .

                                                                                                                                                                                      قال : فقلت لمالك : وما حد ذلك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : إذا أثغر . فقلت لمالك : أرأيت الوالد وولده قال : ليس من ذلك في شيء

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية