الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      فيمن سلف في طعام إلى أجل فأخذ في مكانه مثله من صنفه أو باع طعاما إلى أجل قلت : أرأيت إن أسلمت إلى أجل في طعام محمولة فلما حل الأجل أخذت منه سمراء مثل مكيلته ؟ .

                                                                                                                                                                                      قال : لا بأس بذلك عند مالك . قلت : فإن بعته طعاما محمولة دفعتها إليه بمائة دينار إلى أجل أيجوز لي أن آخذ بالمائة الدينار إذا حل الأجل سمراء مثل مكيلة المحمولة التي بعت ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا يجوز هذا لأن هذا أخذ من ثمن الطعام طعاما فليس هذا بإقالة . [ ص: 83 ] قلت : ويفترق في قول مالك إذا أسلمت إليه في المحمولة فلما حل الأجل أخذت منه سمراء مثل مكيلة المحمولة جوزه لي مالك ، فإذا بعته طعاما إلى أجل محمولة فلما حل الأجل أخذت من دنانيري مثل مكيلة المحمولة سمراء كرهه مالك ولم يجوزه .

                                                                                                                                                                                      قال : قال : نعم ذلك يفترق في قول مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : لم ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لأنه في السلم إنما كان لك عليه طعام سمراء فلما حل الأجل أخذت بها بيضاء فكأنك بادلته بها يدا بيد والذي باع البيضاء بالدنانير إلى أجل فأخذ بثمنها سمراء وإن كانت مثل مكيلتها فإنما ألغى الثمن فكأنه باعه بيضاء بسمراء إلى أجل ، وكذلك التمر العجوة والصيحاني والبرني والزبيب أسوده وأحمره ، وكذلك إذا كان من بيع باعه الطعام بالدنانير إلى أجل فلا ينبغي أن يأخذ في قضائه شيئا من الأشياء كان من صنفه ولا من غير صنفه إذا كان لا يجوز له أن يسلف الطعام الذي اشترى فيه وإن كان أدنى ؟

                                                                                                                                                                                      قال : وإن كان من سلم فحل الأجل فأخذ من محمولة سمراء مثل مكيلتها فإنما هذا رجل أبدل طعاما يدا بيد فلا بأس بذلك .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن أسلمت في حنطة محمولة فلما حل الأجل أخذت سمراء أيجوز ذلك أو أسلمت في سمراء فلما حل الأجل أخذت محمولة أو شعيرا ؟ .

                                                                                                                                                                                      قال : لا بأس بذلك .

                                                                                                                                                                                      قلت : وهذا قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن كنت أسلفت في شعير فلما حل الأجل أخذت سمراء أو محمولة ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا بأس بذلك وهو قول مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : ولا يرى هذا بيع الطعام قبل أن يستوفي ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا إذا حل الأجل فأخذت بعض هذا من بعض مثل الذي ذكرت لي وأخذت مثل مكيلته فإنما هذا بدل وليس بيع الطعام قبل أن يستوفي ، قال : ولا خير في هذا قبل الأجل عند مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : فالدقيق ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا خير فيه من بيع ولا بأس به من قرض إذا حل الأجل . وقال أشهب مثل قول ابن القاسم في الدقيق يقتضي من السمراء أو المحمولة .

                                                                                                                                                                                      قلت : وكذلك لو أسلمت في ألوان التمر فلما حل الأجل أخذت غير اللون الذي أسلمت فيه أهو مثل ما ذكرت من ألوان الطعام في قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت أرأيت إن أسلم في لحم فلما حل الأجل أراد أن يأخذ شحما أو أسلف في [ ص: 84 ] لحم المعز فلما حل الأجل أراد أن يأخذ لحم ضأن أو لحم إبل أو لحم بقر ؟ .

                                                                                                                                                                                      قال : لا بأس به في قول مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : لم جوز مالك ذلك أليس هذا بيع الطعام قبل أن يستوفي قال : ليس هذا بيع الطعام قبل أن يستوفي لأن هذا نوع واحد عند مالك ألا ترى أنه لا يصلح له أن يشتري لحم الحيوان بعضه ببعض إلا مثلا بمثل فهو إذا أخذ مكان ما سلف فيه من لحم الضأن لحم معز مثله أو دونه أو سلف في شحم فأخذ مكانه لحما فكأنه أخذ ما سلف فيه .

                                                                                                                                                                                      قلت : وكذلك إن سلف في محمولة فلما حل الأجل أخذ مكانها سمراء ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت : وكذلك إن سلف في حنطة فلما حل الأجل أخذ مكانها شعيرا ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم لا بأس به إذا كان مثلا بمثل وكل هذا إنما يجوز بعد محل الأجل أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف ، ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم بنوعه ولا بشيء من الأشياء ولا بمثل كيله ولا صفته حتى يقبضه من الذي عليه السلف لأنه إن باعه من غير الذي عليه ذلك بمثل كيله وصفته صار ذلك حوالة ، والحوالة عند مالك بيع من البيوع ، فلذلك لا يجوز أن يحتال بمثل ذلك الطعام الذي سلف فيه على غير الذي عليه السلف لأنه يصير دينا بدين وبيع الطعام قبل أن يستوفي .

                                                                                                                                                                                      قلت : ولم جوز مالك أن يبيع هذا اللحم الذي حل أجله بشحم من الذي عليه السلف بعدما حل الأجل ؟ .

                                                                                                                                                                                      قال : لأن ذلك عند مالك إذا كنت إنما تبيع ذلك من الذي لك عليه السلف بعدما حل الأجل فإنما ذلك بدل ولا بأس أن يبدل الرجل اللحم بالشحم مثلا بمثل ، فكذلك هذا ، ولا يكون هذا بيع الطعام قبل أن يستوفي لأنه من نوعه عند مالك .

                                                                                                                                                                                      قال : وقال مالك : إذا أسلمت في طعام محمولة فحل الأجل فخذ به إن شئت سمراء وإن شئت شعيرا وإن شئت سلتا مثل مكيلتك يدا بيد .

                                                                                                                                                                                      قال : وكذلك إن كنت أقرضت محمولة فلما حل الأجل أخذت منه سمراء مثل مكيلتك التي أقرضته يدا بيد أو شعيرا أو سلتا فلا بأس به وهذا إنما هو حين يحل الأجل ولا خير فيه قبل محل الأجل في سلف ولا بيع وإن كنت إنما بعته طعاما بثمن إلى أجل فلا بأس أن تأخذ منه بذلك الثمن طعاما مثله في صفته وكيله إن كنت بعته محمولة فمحمولة وإن سمراء فسمراء وإن كنت إنما بعته محمولة إلى أجل فلما حل الأجل أردت أن تأخذ بثمن الطعام الذي لك عليه سمراء أو شعيرا أو سلتا مثل مكيلتك التي بعته ، فلا يجوز ذلك وإن كان يدا بيد إذا حل الأجل لأنك قد أخذت بثمن الطعام طعاما غير الذي بعته فكأنك بعته المحمولة على أن تأخذ منه سمراء إلى أجل أو شعيرا أو سلتا والثمن ملغى فيما بينكما فلا يجوز ذلك .

                                                                                                                                                                                      [ ص: 85 ] قلت : وكذلك إن كنت إنما بعته السمراء فلما حل الأجل أخذت منه محمولة أو شعيرا أو سلتا بالثمن فلا يجوز ذلك ، وإن كان الذي تأخذ دون الذي أعطيته لأنك كأنك أعطيته سمراء يضمنها إلى أجل على أن تأخذ منه محمولة إذا حل الأجل ، وكذلك هذا في التمر الصيحاني والبرني وألوان التمر بمنزلة ما وصفت لك من الحنطة وألوانها في اقتضاء الطعام من الطعام قال : وقال لي مالك : والزبيب الأسود والأحمر كذلك أيضا مثل ما وصفت لك من التمر والقمح والشعير . قال سحنون : ولقد خاف عبد العزيز في تسليف الدنانير في عرض إن قال : ومما يشبه الربا أن يسلف الرجل ذهبا أو ورقا في إبل أو غنم أو سلعة غير ذلك فإذا حلت سلعتك أخذت بها من بيعك ذهبا أو ورقا أكثر مما كنت سلفته .

                                                                                                                                                                                      قال عبد العزيز : وأنا أخشى أيضا إذا أخذت أقل مما أعطيته الذريعة والدخلة فإما أن تأخذ مثل ما أعطيت فإنما تلك إقالة وتفسير ما كره من ذلك أنك كأنك أسلفت ذهبا في ذهب أو ورقا في ورق وألغيت السلعة بين ذلك وهي الأثمان وليست بمثمونة ، فكيف بما يشترى وهو مثمون ؟

                                                                                                                                                                                      قال سحنون : وقد ذكر مالك عن أبي الزناد عن ابن المسيب وسليمان بن يسار أنهما كانا ينهيان أن يبيع الرجل طعاما بذهب إليه أجل ثم يشتري بتلك الذهب تمرا قبل أن يقبضها قال مالك : وقال ابن شهاب مثله .

                                                                                                                                                                                      قال ابن وهب : قال مالك والليث عن كثير بن فرقد عن أبي بكر بن حزم مثله ، قال : وأخبرني رجال من أهل العلم أن عمر بن عبد العزيز في إمرته على المدينة أمر رجلا وكله في تقاضي دين لرجل توفي من ثمن طعام أن لا يأخذ من ذلك الدين طعاما ، وقال ذلك يحيى بن سعيد وبكير بن الأشج وأبو الزناد ، وقال مالك وابن أبي سلمة وغيرهما من أهل العلم مثله ، وقالوا ذلك بمنزلة الطعام بالثمر إلى أجل فمن هاهنا أكرهه .

                                                                                                                                                                                      قال ابن لهيعة ، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه قال : لا تأخذ إلا مثل طعامك أو عرضا مكان الثمن . قال ابن وهب ، عن عثمان بن الحكم ، عن يحيى بن سعيد مثله وقال : لا إلا أن يأخذ من ذلك الطعام مكيلة بمكيلة .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية