الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وشرع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس والجماعات ، حتى أمرهم الله أن يقيموها في الجماعة حال الخوف ، قال الله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك الآية .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم أنطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة ، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" .

وقال : "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسا وعشرين درجة" . [ ص: 232 ]

وقد شرع الله للمسلمين سماع كتابه في الصلاة وخارج الصلاة ، لا سيما في صلاة الفجر ، كما قال تعالى : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا .

وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والباقون يستمعون ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : "يا أبا موسى ذكرنا ربنا" فيقرأ وهم يستمعون .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج على أهل الصفة فوجد فيهم رجلا يقرأ وهم يستمعون ، فجلس معهم يستمع .

وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند السماع كما ذكر الله تعالى في كتابه توجل قلوبهم وتقشعر جلودهم وتدمع عيونهم . قال الله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، وقال تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، وقال تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ، وقال تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا [ ص: 233 ] له وأنصتوا لعلكم ترحمون .

فلما كان التابعون فيهم من يموت أو يصعق عند سماع القرآن فمن السلف من أنكر ذلك ورآه بدعة ، وأن صاحبه متكلف ، وأما أكثر السلف والعلماء فقالوا : إن [كان] صاحبه مغلوبا ، والسماع مشروعا ، فهذا لا بأس به ، فقد صعق الكليم لما تجلى ربه للجبل ، بل هو حال حسن محمود فاضل بالنسبة إلى من يقسو قلبه .

وحال الصحابة ومن سلك سبيلهم أفضل وأكمل ، فإن الغشي والصراخ والاختلاج إنما يكون لقوة الوارد على القلب ، وضعف القلب عن حمله ، فلو قوي القلب -كحال نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- لكان أفضل وأكمل .

ولو لم يرد على القلب ما يحركه لكان قاسيا مذموما ، كما ذم الله تعالى اليهود على قسوة القلوب .

وما زال السلف كذلك إلى حد المئة الثالثة ، صار قوم من العباد يجتمعون لسماع القصائد المرققة ، وربما ضربوا بالقضيب لذلك ، ويسمون ذلك التغبير ، فأنكر الأئمة ذلك ، ورأوا أنه بدعة محدثة; إذ لم يفعله السلف حتى قال فيهم الشافعي رضي الله عنه : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير ، يصدون به الناس عن القرآن . [ ص: 234 ]

وكره أحمد الجلوس معهم فيه ، وقال : هو محدث أكرهه ، ورأى أنهم لا يهجرون; لأنهم متأولون .

وحضر هذا السماع المحدث قوم من الصالحين وكرهوه .

وتركه أفضل من حضوره . والذين حضروه اشترطوا له شروطا كثيرة مثل المكان والخلان والخلوة من المفاسد .

ومع هذا فالحجة من الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة مع من كرهه ، ونهى عن التعبد به ، وإن كان يرخص في الأفراح للنساء والصبيان في أنواع من الغناء وضرب الدف كما جاءت به السنة ، فهذا نوع من اللهو واللعب ، ليس هو من نوع العبادات والقرب والطاعات ، كما يفعله المبتدعون للسماع المحدث ، وبكل حال فالإكثار منه حتى يفعل في المساجد ، وحتى يشتغل به عن الصلوات ، وحتى يقدم على القراءة والصلاة ، وحتى يجعل شعار الشيخ وأتباعه ، وحتى يضرب بالمعازف ، لا ريب أنه من أعظم المنكرات ، وهو مضاهاة لعبادة المشركين الذين قال الله تعالى فيهم : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية . قال السلف : المكاء : الصفير نحو الغناء ، والتصدية : التصفيق باليد .

فمن اتخذ الغناء والتصفيق قربة ففيه شبه من هؤلاء ، وإذا شغله عما أمر به وفعله في المسجد ، فقد اندرج في قوله : وما كان صلاتهم الآية ، وفي قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا [ ص: 235 ] الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ; وفي قوله : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ، لا سيما وقد قيل : إنها نزلت في أعياد الجاهلية المشابهة لهذا السماع المشتمل على اللهو واللعب .

قال الله تعالى : والذين لا يشهدون الزور ، وقيل : إن هذا من الزور . وقد قال الله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم . وقال الله تعالى : واستفزز من استطعت منهم بصوتك . وقال تعالى : وأنتم سامدون .

وقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إن الشيطان قال : يا رب اجعل لي قرآنا ، قال : قرآنك الشعر ، قال : اجعل لي مؤذنا ، قال : مؤذنك المزمار ، قال : اجعل لي بيتا ، قال : بيتك الحمام" .

والأحاديث في هذا كثيرة .

فإذا كان الشيخ يزعم أنه يدعو إلى الله وإلى طاعته ، ليس شعاره إلا جمع الناس على مزمور الشيطان ومؤذنه وقراءته ، وقل أن يجمعهم [ ص: 236 ] على أذان الله وقراءته وصلاته ، كان إماما من أئمة الضلال الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ، وكان من اتبعه له نصيب من قوله تعالى : يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا .

وقال تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا .

التالي السابق


الخدمات العلمية