الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أما مسألتنا فالدعوى محررة تمنع القول بالموجب إلا على سبيل الموافقة ، وعلى سبيل الموافقة لا يبقى نزاع ، فإنا قلنا : "إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون [ ص: 66 ] به أهل الحديث كله باطلا ، وتيقن الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا" . والمخالفة لا تكون إلا بما يخالف قولهم ويناقضه ، فنصير مدعين أن قول المتكلمين الذي يناقض قول أهل الحديث قول باطل ، كما لو قلنا : إن قول المتكلمين الذي يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول قول باطل . وهذا ليس بدليل حتى يكون القول بموجبه سؤالا جاء في دلالته ، وإنما هي دعوى ، فإما أن نوافق عليها أو نخالف ، فإن خولفنا فالسؤال على الدليل الآتي ، وإن ووفقنا فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

يبقى أن يقال : فهل للمتكلمين قول يخالف قول أهل الحديث ، بحيث يكون الكلام في وجوده؟ أم هو كلام على هذه الحقيقة مع قطع النظر على وجودها وعدمها؟ ولا شك أن مرادنا هو القسم الأول ، وإن كان تفسير اللفظ بالثاني ممكنا ، بأن نقول : إن كان للمتكلمين قول مخالف لأهل الحديث فهو باطل ، وإلا فلا نص .

ومثل هذا السؤال إذا قيل : كل قول للفلاسفة يخالف الأنبياء فهو باطل ، فإن المتفلسف المتأول يزعم أن الفلاسفة موافقون الأنبياء لا مخالفون ، وإنما يعتقد مخالفتهم لهم عوام أهل الملل ومتكلمو أهل الجدل ، فإذا قال : أنا قائل بموجب قولكم لم يكن هذا سؤالا ، لكن إن فهم من المتكلم دعوى وجود المخالفة فله أن يطالب بتعيينها .

ومع هذه المناقشة فتسمية مثل هذا الكلام قولا بالموجب لا تأباه اللغة العربية ، بل تساعد عليه ، وقد يستعمله الناس في مناظراتهم ، فإن السائل يقول : ما أوجبته بدعواك من بطلان أحد القولين المتناقضين [ ص: 67 ] أنا أقول به ، لكن لم توجد المناقضة بين القولين ، فكأنك تدعي بطلان ما لا وجود له ، وأنا قائل بموجب عبارتك لا بموجب إرادتك . وأنت تحكم على أهل الكلام بمخالفة أهل الحديث ، وهذا لم يوجد . لكن إذا قال السائل هذا قال له المدعي : أنت كما قد وافقتني على مدعاي ، فإن لفظي إما أن يعني نوعا أو عينا ، إن عني به النوع فليس من ضرورة الحكم على النوع وجوده في الخارج ، بل قد يقول : [من] كذب بسورة يس أو جحد بشيء من القرآن فهو كافر ، إن لم يعلم وجود ذلك .

وإن عني به العين كان التقدير : هذا التأويل المعين الذي يخالف أهل الكلام [فيه] أهل الحديث تأويل باطل ، فإذا قيل بموجب هذا كان موافقة في بطلان التأويل المعين ، ثم تبقى المنازعة في تسميته خلافا لأهل الحديث . ومعلوم أن هذا ثلم للمسألة ونزاع في نفيها .

فحاصله أن القول بالموجب تسليم للمسألة إن عني بها النوع وتنازع في وجودها ، أو تسليم لعينها ونزاع في صفتها ، فإن كان الأول فهو نزاع فيما لم يدل عليه اللفظ ، وإن كان الثاني فهو تسليم للمسألة ، ولا يضر بعد ذلك النزاع في اسمها .

التالي السابق


الخدمات العلمية