الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وتحرير السؤال أن يقال : لا نسلم أن أهل الكلام خالفوا أهل الحديث ، فإنهم لو خالفوهم لقلنا : الصواب مع أهل الحديث ، وهو أن القول بالموجب على تقدير ثبوت المخالفة تسليم للمسألة بتقدير وجودها ، وقد منع ذلك في السؤال بقوله : لو سلمنا أن بعضهم حرم ذلك فهل نقل التحريم عن الله أو رسوله أو أهل الإجماع ، ومن سلم الحكم لم يكن له أن يطالب بالدليل ، لأنه منع بعد تسليم ، وهو غير مقبول . [ ص: 68 ]

وأما السؤال الثالث -وهو نقل الإجماع على بعض التأويلات- فلا يرد أيضا ، لأن ذلك إن صح لم يدخل في الدعوى ، لأنا قلنا : تأويل المتكلمين المخالف لأهل الحديث باطل ، وما أجمعوا عليه ليس من هذا الباب . نعم ، يبقى هذا من باب المعارضة لأهل الحديث ، وهي أن يقال : كيف تبطلون بعض التأويلات وتصححون البعض؟

والمعارضة لا تورد عند الدعوى ، وإنما تورد بعد الأدلة .

وأيضا مما يبين عدم ورود هذه الأسولة : السؤال الأول ، وهو منع الاختلاف بين أهل الحديث وأهل الكلام في التأويل ، فإن المناظرة كانت مع من يدعي أن الحق مع أهل التأويل دون من خالفهم ، فإن لم يكن لهذا وجود كان ردا على من نصر أهل الكلام المخالفين لأهل الحديث ، لا على من نصر أهل الحديث .

وأيضا فإنه عقب هذا الكلام قد قلنا : "إن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين لأهل الحديث ثلاث : مسألة وصف الله بالعلو ، ومسألة القرآن ، ومسألة تأويل الصفات" . وهذا تعيين لهذه المسائل الثلاثة المختلف فيها ، والخلاف في هذه المسائل أشهر من أن يحتاج إلى نقل .

فإن قيل . لا نسلم أن أحدا خالف أحدا في هذه المسائل ، بل كل تأويل فيها للمتكلمين فإن أهل الحديث لم ينفوه ، بل سكتوا عنه . [ ص: 69 ]

قيل : النقل المتواتر والعلم الاضطراري وما مهدته الكتب المصنفة دليل على وقوع الخلاف في أعيان هذه المسائل وأدلتها السمعية .

وأيضا فإن الفاضل المباحث -أيده الله- قد حكى في مباحثه هذه عن القاضي عياض : "أما من قال منهم بإثبات جهة "فوق" له تعالى من غير تحديد ولا تكييف من دهماء المحدثين والفقهاء وبعض المتكلمين منهم فيتأول "في السماء" بمعنى على ، وأما دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب الإثبات [والتنزيه] المحيلين أن يختص به جهة أو يحيط به حد ، فلهم فيه تأويلات بحسب مقتضاها" .

ومعلوم بأن هذا تصريح بأن لهؤلاء النفاة تأويلات يخالف فيها المثبتون لكونه فوق العرش ، وهذه التأويلات مما قضينا بإبطالها ، فكيف يتوجه مع هذا أن يقال : ليس للمتكلمين تأويل يخالفون به أهل الحديث؟

ونحن لم نقل : إن كل تأويل باطل ، حتى ينقض علينا بصورة ، بل قلنا : كل تأويل للمتكلمين يخالفهم فيه أهل الحديث فهو باطل .

ومعلوم أن هذا تكفي فيه صورة واحدة ، وهذه صورة قد سلمتموها وحكيتموها .

وهب أنهم أجمعوا على تأويلها -وإن كنا سنتكلم على هذا إن شاء الله- لكن مضمون هذه العبارة أن التأويل الذي أثبته المتكلمون ونفاه أهل الحديث باطل . [ ص: 70 ]

وأيضا فقد قلنا في عقب هذا : "إن مذهب السلف وأهل الحديث أنها تصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل ، وتكييف يفضي إلى تمثيل" . وقلتم : هذا حق صريح وحكم صحيح ، فهذا التأويل الذي يفضي إلى التعطيل معلوم أنه قد وجد ، فإن كثيرا من المتأولين ينفي الصفات كلها وأحكامها ، وبعضهم يثبت أحكامها ، وبعضهم يثبت أحوالها ، وبعضهم يثبت بعضها دون بعض ، فهؤلاء معطلة الصفات أو بعضها ، وأهل الحديث يخالفونهم في هذا .

ولم نرد بالتعطيل تعطيل اللفظ عن معنى ، فإن التأويل لا يتصور أن يفضي إلى هذا التعطيل ، لأن المتأول لا بد أن يحمله على معنى ما ، فلا يكون قد عطله عن جميع المعاني ، وإنما عطل الصفة التي دل عليها النص ، وعطله عن معناه المفضول المفهوم . ومعلوم أن التأويل المفضي إلى هذا التعطيل قد وقع فيه كثير من المتكلمين نفاة الصفات أو بعضها ، ومعلوم أن هذا التأويل ينكره أهل الحديث ، وكل من وافقهم من المتكلمين على إثبات صفة فإنه ينكر التأويل الذي يفضي إلى تعطيلها . فكيف يصح بعد هذا أن يقال بالموجب إلا بالموافقة؟

نعم ، لو قيل : بعض هذه التأويلات التي ينفونها نقول بصحتها ، لكان هذا سؤالا متوجها ، وهو غير السؤال المذكور ، ومع هذا فليس هذا موضعه ، وإنما موضعه الأدلة . [ ص: 71 ]

ثم إنا قد فرضنا بأن الدعوى عامة ، وإنما أقمنا الدليل على بطلان التأويل في صفة اليد ، وهي بعض صورة الخلاف ، لأن هذا حكاية مناظرة جرت ، وكان الكلام في صفة اليد نموذجا يحتذى عليه غيره من الكلام في غيرها .

وأيضا فإنا قلنا : "إذا بحث الإنسان وجد ما يقول المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلا" . فكان موجبه القول بالموجب : إنا لا نسلم أن المعتبرين من المحدثين منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين ، وليس هذا المنع مطابقا للدعوى ، فإنا لم نقل : إن تأويل المعتبرين من المتكلمين الذين يخالفون به المعتبرين من المحدثين باطل ، وإنما قلنا : "تأويل المتكلمين المخالف" ، ومعلوم أن المتكلمين اسم عام ، فتأويلهم المخالف لأهل الحديث يدخل فيه تأويل كل متكلم من الجهمية والنجارية والمعتزلة ، بل ومن الفلاسفة والقرامطة الباطنية والإسماعيلية ، فما الذي أوجب أن يحمل هذا اللفظ العام على تأويل خاص من تأويلات المتكلمين؟ من غير أن يكون في اللفظ ما يدل عليه ، بل تمام الكلام يصرح بالعموم حيث قلنا : "أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين -ممن ينتحل مذهب الأشعري- لأهل الحديث ثلاثة" .

فهذا يدل على أن المتقدمين من المتكلمين خالفوا أهل الحديث في أكثر من ذلك ، وهذا هو الواقع ، فكيف يكون المنع المتوجه "لا نسلم أن معتبري المتكلمين خالفوا معتبري أهل الحديث"؟ وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال : ما خالف به الفلاسفة الأنبياء فهو باطل ، فيقال : لا نسلم أن فضلاء الفلاسفة خالفوا الأنبياء; أو يقال : ما خالف به [ ص: 72 ] المتكلمون للكتاب والسنة فهو باطل ، فيقال : لا نسلم أن معتبريهم خالفوا الكتاب والسنة; أو يقال : ما خالف فيه بنو آدم للأنبياء فهو ضلال ، فيقال : لا نسلم أن معتبري الآدميين خالفوا الأنبياء; أو يقال : كفار مكة من قريش والعرب في النار ، فيقال : لا نسلم أن المعتبرين من أهل مكة أو قريش والعرب كفروا .

التالي السابق


الخدمات العلمية