الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قلتم : إنما أنكروا التأويل الذي لا يعضده دليل صحيح ، ولم يكن جاريا على القواعد الصحيحة ، وإن كان متأوله يزعم اعتضاده بدليل صحيح وقواعد صحيحة .

قلنا : فهكذا نقول في جميع تأويلات أهل الكلام المخالفة لأهل الحديث : إنها خالية عن دليل صحيح وعن القواعد الصحيحة .

وإذا كان هذا مدعيا لم يسغ أن يقال بموجبه إلا على سبيل الموافقة لنا ، وإنما يسوغ أن يطالب ببيان خلوها عن الدليل والقواعد الصحيحة ، أو أن يبين المتأول اقتران تأويله بدليل وقواعد ليبين فساد قوله .

الوجه الثاني : أن المنكرين للتأويل إبطالا وتحريما صرحوا بذلك في أعيان التأويلات التي ادعى المتأولون اقترانها بالدليل ، وسنذكر إن شاء الله من ذلك بعض ما حضر . وصرحوا أيضا بتحريم التأويل وإن زعم صاحبه اقترانه بدليل . [ ص: 83 ]

الوجه الثالث : أنا لم نحكم إلا ببطلان تأويل أهل الكلام المخالف لأهل الحديث ، فإذا قلتم بإبطال أو بتحريم التأويل الخالي عن الدليل والقواعد لم يكن هذا نفيا لوجود ما أبطلناه ، لأنه يمكن أن يقال : هذا التأويل الذي رفعناه خلي عن الدليل والقواعد ، فإنا أبطلنا نوعا من التأويل ، ووافقتم على إبطال نوع منه . فإن قلتم : هذه التأويلات جارية على الأدلة والقواعد ، نازعناكم فيها .

فحاصله أن ما ذكرتموه لا يصلح مستندا لمنع أن يكون أهل الحديث خالفوا المتكلمين في أعيان التأويلات .

الوجه الرابع : قولكم "إن التأويل المقرون بدليل الجاري على القواعد العلمية صحيح" ، لا ننازعكم فيه ، وإنما الشأن في تقرير الدليل المصحح للتأويل وتثبيت القواعد المحققة له ، فإنكم تعلمون أن جميع أهل التأويل من القبلة لهم قواعد يضعون تأويلاتهم عليها .

ثم هذا القدر لا يصلح أن يكون سندا لقولكم "لا نسلم أن أهل الحديث منعوا تأويل المعتبرين من المتكلمين" كما تقدم ، والغرض هنا أن القول بالموجب لا يتوجه . وأما تقرير مذهب أهل الحديث فليس هذا موضعه ، لأنا بعد في تحرير الدعوى وما يرد عليها .

قولكم : "لا أسلم أن معتبرا حرم تأويلا يشهد العقل بصحته عند الحاجة إليه ، لعالم متبحر لا يرضى بأسر التقليد ، ولا يرى أن يستعمل في كشف الحقائق نور البصيرة الذي هو من أجل نعم الله على العبيد" .

فنقول أولا : من الذي حكى عن أحد من الناس تحريم مثل [ ص: 84 ] هذا؟ هذا شيء لم نذكره ولم نقصده ، فمنعه منع شيء أجنبي خارج عن كلامنا ، وهذا منع لا توجيه له .

ونقول ثانيا : نحن قررنا بطلان التأويل وفساده ، لم نتعرض لتحريمه بنفي ولا إثبات ، والكلام في صحة التأويل وفساده غير الكلام في حله وحظره ، ولا يلزم من عدم تحريم الاجتهاد والإفتاء والحكم أن يكون الاستدلال والفتيا والقضاء صحيحا ، كذلك لو فرضنا جواز الإقدام على هذه التأويلات لم يلزم أن تكون صحيحة ، بل جاز أن تكون باطلة ، يعني أنها غير مطابقة لمراد المتكلم ، سواء كان آثما أو معفوا عنه أو مأجورا .

ونقول ثالثا : التأويل الذي نتكلم فيه هو صرف الكلام [من] الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يعتضد ، كما تقدم بيانه .

التالي السابق


الخدمات العلمية