الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 44 ] فرع

                                                                                                                في الجواهر : ينبغي أن لا يكون الموصى به زائدا على الثلث للحديث المتقدم أول الكتاب ، وهل ذلك شرط في الصحة أو النفوذ ، يتخرج على القولين في إجازة الوارث هل هي هبة أو تنفيذ ؟ .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : أوصى بجميع ماله وله وارث واحد فأجاز ، فلغرمائه رد الثلثين أو أحدهما في الدين ، ولو أقر أن أباه أوصى بثلثه وعلى الأب دين مغترق ، وأنكر الغرماء بعد إقراره قبل القيام عليه بالدين لعدم الحجر لا بعد القيام ، وكذلك إقراره بدين على أبيه أو بوديعة عند أبيه يجوز قبل القيام ، ويحلف المقر له إن كان حاضرا كمن شهد أن هذا الذي في يدي تصدق به فلان على فلان وتركه له في يدي ، وأنكر الذي هو له ، فإن حضر المشهود له حلف وأخذه ، وإن غاب لم يجز ؛ لأن المقر يتهم في بقاء ذلك الشيء بيده ، قال صاحب التنبيهات : جعل تنفيذ الوارث للوصية بجملة المال كالهبة وكذلك رد الغرماء ، وقال ابن العطار : بل تنفيذ لفعل الميت ، فهل المقر على أبيه بدين وعلى نفسه سواء إذا أحاط الدين بماله ؟ ولا بد من حلف المقر له للتهمة في المحاباة بالمقر به ، وقيل : لا يحلف في صورة المقر على نفسه ؛ لأنه سوى بينه وبين غرمائه ، والمقر على أبيه قدم المقر له على غرمائه هو ، فيحلف للتهمة . والحاكم يلزم هذه الأيمان وإن لم يطلب ذلك الخصم ، وليس المقر هاهنا كالشاهد ، وكذلك لم يشترط فيه العدالة ، قال صاحب .

                                                                                                                [ ص: 45 ] النكت : لم يجعل مالك على المقر على نفسه قبل قيام غرمائه يمينا بخلاف المقر على أبيه ، ولو أقر على نفسه بوديعة قدمت على دين الغرماء ، ومع ذلك لا يحلف ؛ لأن الوديعة إذا لم توجد وجب الحصاص بها كالدين ، والدين المقر به يقدم على كل حال ، قال التونسي : إذا أقر الوارث بوديعة عند أبيه حلف المقر له وأخذها ، فإن كان معه ورثة والمقر عدل حلف المقر له ، وإلا أعطاه نصيبه منها مؤاخذة له بإقراره ، قال ابن يونس : إن أقر ولا دين عليه أن أباه أوصى بأكثر من ثلثه ، وأنه أجاز ذلك وأشهد ثم مات الابن مدينا ولم يقبض الموصى له وصيته قدمت وصية الأب إن عرف أنه مال الأب لتقدم التصرف على الحجر ، وإن لم يوجد للأب شيء من ماله وعلى الأب دين حاصص غرماء الابن الموصى له في مال الابن ، وإن وجد من مال الأب شيء أخذه الموصى له خاصة ، فما فضل حاص به ؛ لأن الوصية صارت على الابن باستهلاكه مال الأب ، قاله أشهب : قال محمد : كذلك فيما بلغ ثلث الأب وما جاوزه ، ومال الابن بيد الابن حتى مات بطل الزائد ؛ لأنه هبة له لم تقبض ، فإن كان بيد غيره نفذ للموصى له ؛ لأن ذلك كالحوز .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس في الكتاب : إذا ترك ابنين وألفين فأقر أحدهما أن على الأب ألفا لفلان : حلف معه إن كان عدلا وإلا أخذ خمسمائة ، وقال أشهب : يأخذ الألف كلها ؛ لأنه لا ميراث لوارث يزعم أن الميت مديون بخلاف إقراره بالوصية ؛ لأن الموصى له شريك في المال ، ولو أقر كل واحد بألف على أبيهما لغير من أقر له الآخر وكلاهما ينكر قول أخيه : قضي بالألفين مع حلف كل واحد من المقر له إن [ ص: 46 ] كان المقران عدلين ، وإلا جرى الخلاف المتقدم ، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر أخذ الحالف ألفه والناكل خمسمائة من المقر له ، ويحلف له الأخ الآخر : ما يعلم صحة شهادة أخيه ، ولو أقر كل واحد بثلث في وصية غير الذي أقر به الآخر ، وهما عدلان : فالحلف كما تقدم ، فإن نكل أحدهما فلا شيء له ، على الذي شهد له ؛ لأنه لم يكن بيده من الثلث شيء بخلاف الدين ؛ لأنه من رأس المال ، والوصية من الثلث لم يبق من الثلث شيء ، وإن نكلا أو كان الولدان غير عدلين أعطى كل واحد للمقر له ثلث ما في يديه ، ولو رجعا بعد الحكم وأقر أن الذي شهد به صاحبه حق بعد أن أخذ كل واحد ما شهد له به ، أخذ كلاهما من الذي أنكر وصيته ثلث ما في يديه لإقراره بإتلاف ذلك عليه ، ولو شهد اثنان من الورثة أن أباهما أوصى لفلان بالثلث ودفعا ذلك إليه ثم شهدا إن كان أوصى به لآخر ، وأنهما أخطآ ، فلا يصدقا على الأول للتهمة في الضمان الذي دخل عليهما ، ويضمنان للآخر الثلث ، ولو لم يكونا دفعاه صحت شهادتهما للآخر وبطلت الأولى لعدم التهمة المذكورة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : لو أقر بدين يغترق التركة ثم أقر لآخر بمثله فإن لم يكن عدلا برئ بالأول لتعذر إبطال الإقرار ، أو عدلا وذكر عذرا بينا قبل قوله وحلف للآخر ، فإن نكل فهو كما لو لم يكن عدلا .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال لو أقر بالوصية لفلان بالثلث ، وأعتق هذا العبد وهو الثلث بكلام متصل قدم العتق ، وإن لم يكن الولد عدلا أو كلام غير متصل وتقدمت الوصية قدمت وعتق العبد على الوارث . قال محمد : كان عدلا أم لا .

                                                                                                                [ ص: 47 ] فرع

                                                                                                                في الجواهر : تصح بالحمل دون الأمة وبالعكس ؛ لأن الوصية بالغرر جائزة ، فإن أطلق تناول الحمل بلفظ الجارية كالبيع ، ولو أوصى بقوس حمل على ما يرمى به النشاب دون ما يرمى به البندق ؛ لأنه الأغلب إلا أن لا يكون له إلا هو فيتعين بقرينة الحال أو تعينه قرينة أخرى ، ولو أوصى بشاة من ماله شارك بواحدة من عددها ضأنها ومعزها ذكورها وإناثها صغارها وكبارها لعدم اختصاص اللفظ فلو كانت عشرة فله عشرها ، فلو هلكت كلها فلا شيء له لتعلق الوصية بعينها ، فإن لم يكن له غنم فله من ماله قيمة شاة من وسط الغنم ، ولو قال : أعطوه شاة من غنمي فمات ولا غنم له فلا شيء له ؛ لأن الوصية إنما تعتبر عند الموت ، أو له شاة واحدة دنية أو عليه دفعت له ، أو ثلث غنمي فماتت فله ثلث ما بقي ، فلو سمى عددا مثل ثلث عدد الغنم فهل هو كقوله : ثلثها فيكون شريكا بالثلث فيما زاد أو نقص ؟ أو له ذلك القدر وإن لم يبق إلا هو أو بقي أكثر منه أخذ بحصة عدده كما لو كانت خمسين فأوصى بعشرة فعلى الأول : له خمسها زادت أو نقصت ، وعلى الثاني إن ماتت عشرة فله الربع أو عشرون فله الثلث ، أو أربعون أخذ الباقي كان أدنى أو أعلى ، ولو أوصى بتيس من غنمه شارك بواحد من التيوس ، ولا يدخل مع ذلك البهم والإناث ، أو بكبش لم يدخل إلا كبار ذكور الضأن ، أو بنعجة فكبار إناث الضأن ، ولو قال : بقر من بقري دخل الذكور والإناث ، أو ثور اختص بكبار الذكور ، أو عجل اختص بذكور العجول ، أو بقرة من عجولي ففي الذكور والإناث من العجول ، أو شاة من بهمي أو ضاينة من خرفاني لم يدخل الكبار ، أو رأس من رقيقي ومات له واحدة تعينت ، أو عدة فماتوا أو قتلوا قبل موته بطلت الوصية ، أو بعد الموت انتقلت الوصية للقيمة ، ولو قال : أعتقوا عني رقيقا فأقلها ثلاث ؛ لأنه أقل الجمع ، ومدرك هذه المسائل كلها : مقتضى اللفظ لغة أو عرفا ، وفي الجلاب : إذا أوصى بعبد من عبيده ( المختلفة القيم فله جزء منهم إن كانوا

                                                                                                                [ ص: 48 ] عشرة فعشرهم ، أو لعبد من عبيده ) وهم عشرة فمات ثمانية فله نصف الباقين إن خرجا من ثلثه ، وإن لم يكن له مال غيرهما فثلثهما له ، ولو أوصى بعشرهم فله عشر الباقي بعد الموت .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب البيان : قال ابن القاسم : أوصى بأحد عبيده الثلاثة لرجل ، وقال : لفلان أحدهم ، وقيمتهم سواء ولا مال له غيرهم ، أسهم للثاني فإن وقع سهمه في العبد الموصى به للأول فهو بينهما نصفان ، أو في غيره فله نصفه وللورثة نصفه ، وللأول نصف الموصى به له ونصفه للورثة ؛ لأنه ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث ، وإن اختلفت قيمتهم أسهم للثاني أيضا ، فإن خرج الموصى به للأول وقيمته الثلث فأقل هو بينهما نصفان ، أو أكثر من الثلث شطر بينهما ما يحمل الثلث منه ، وللورثة باقيه وإن خرج في غيره وقيمته الثلث فأقل ، أخذ العبد الذي خرج وله آخر الذي أوصى له به ، أو أكثر من الثلث فلهما ثلث الثلاثة وإن لم تجز الورثة ؛ لأن الوصايا إذا لم يحملها الثلث صارت شائعة فيه ، وهذا على القول بأن من أوصي له بعبد من جملة عبيده يعطي واحدا من جملة عددهم بالقرعة ، وقيل : من عددهم بالقيمة ، وهما في المدونة وعلى الثاني سهم على الثلاثة ، فإن حمل الثلث الوصيتين أخرجتا افترقتا في العبيد أو اجتمعتا ، وإن لم يحملها ولا أجيزتا تحاصا في الثلث على قدر وصاياهما ، وفيها قول ثالث : إن الموصى له بعبد من العبيد شارك الورثة في كل عبد بالثلث ، وإن كانوا ثلاثة ، أو بالربع إن كانوا أربعة ، وعلى هذا يكون للموصى له هاهنا بالمعين ثلثا العبد الموصى له به ، وثلثه بينه وبين الآخر الموصى له بالمنكر ؛ لأن وصاياهما قد اجتمعت في ثلثه ، وللآخر ثلث كل عبد من العبدين الآخرين أيضا إن حمل ذلك الثلث وإلا يحاصصا فيه على قدر وصاياهما .

                                                                                                                [ ص: 49 ] فرع

                                                                                                                قال : قال ابن القاسم : قال ولد لا وارث معه : أبي أوصى بعتق هذا ، ثم قال : لا ، لكن هذا ، ثم قال : لا . بل هذا . من كل واحد ثلث قيمة ثلاثتهم ، فإن استوت قيمتهم عتق الثلاثة ، أو اختلفت عتق من قيمته ثلث قيمة ثلاثتهم . ومن قيمته أكثر عتق منه ما حمله ثلث قيمتهم ، ومعناه : إذا لم يكن للميت مال غيرهم فواحدة للوارث بإقراره ، مثاله : قيمة أحدهم عشرة والثاني عشرون والثالث ثلاثون ، فيعتق الأولان ؛ لأن قيمة كل واحد إما ثلث المال أو أقل ، وثلث الثالث ؛ لأن ذلك ثلث المال ، وإن كان مال ثلاثون ، عتق الثالث كله مع الأولين ؛ لأنه ثلث المال .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية