الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6255 6256 ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا الذبح بهما إذا كانا غير منزوعين وأباحوا ما ذبح بهما إذا كانا منزوعين واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا روح [ ص: 13 ] وسعيد بن عامر ، قالا: ثنا شعبة ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة ، عن جده، رافع بن خديج -رضي الله عنه- أنه قال: "يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى، قال: ما أنهر الدم وذكرت اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر، وسأخبرك أما الظفر مدى الحبشة ، وأما السن فعظم".

                                                حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، قال: حدثني سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عباية بن رفاعة ، عن جده رافع بن خديج -رضي الله عنه- أنه قال: "يا رسول الله إنا نرجو -أو نخشى- أن نلقى العدو وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله -عليه السلام-: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، إلا السن والظفر". .

                                                قال أبو جعفر -رحمه الله-: ففي هذا الحديث أخرج النبي -عليه السلام- السن والظفر مما أباح الذكاة به، فاحتمل أن يكون ذلك على المنزوعين واحتمل أن يكون على المنزوعين وغير المنزوعين، فإن كان ذلك على المنزوعين فهما إذا كانا غير منزوعين أحرى أن يكونا كذلك وإن كان ذلك على غير المنزوعين فليس في ذلك دليل على [حكم] المنزوعين في ذلك كيف هو؟ فلما أحاط العلم بوقوع النهي في هذا على غير المنزوعين ولم يحط العلم بوقوعه على المنزوعين، وقد جاء حديث عدي بن حاتم الذي ذكرناه مطلقا؛ أخرجنا معه ما أحاط العلم بإخراج حديث رافع إياه منه وتركنا ما لم يحط العلم [بإخراج] حديث رافع إياه من علي ما أطلقه حديث عدي بن حاتم.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة ومالكا وأبا يوسف ومحمدا؛ فإنهم قالوا: يكره الذبح بالسن والظفر إذا كانا غير منزوعين، ولا يكره إذا كانا منزوعين، ومذهب الشافعي وأحمد والليث بن سعد: لا يجوز الذبح بالسن والظفر مطلقا وهو مذهب الظاهرية أيضا ونقل ذلك ابن جزء عن الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري .

                                                [ ص: 14 ] قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث رافع بن خديج وأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن روح بن عبادة وسعيد بن عامر الضبعي كلاهما عن شعبة عن سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري ، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري المدني عن جده رافع بن خديج -رضي الله عنه-.

                                                الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن سفيان الثوري ، عن أبيه سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج -رضي الله عنه-.

                                                وأخرجه الجماعة:

                                                فقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، نا أبو عوانة ، عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج فذكر حديثا، وفيه أنه قال: "يا رسول الله ليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله -عليه السلام-: ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس السن والظفر".

                                                قال مسلم نا محمد بن المثنى العنزي قال: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: حدثني أبي عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال: "قلت: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى، قال: أعجل أو أرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر. وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة".

                                                وقال أبو داود: ثنا مسدد قال: نا أبو الأحوص قال: نا سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال: "أتيت رسول الله -عليه السلام- وقلت: يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى، فقال رسول الله -عليه السلام- أرن [ ص: 15 ] أو أعجل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سن أو ظفر، قال رافع: وسأحدثكم عند ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة".

                                                وقال الترمذي: ثنا هناد قال: نا أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ، عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال: "قلت: "يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليست معنا مدى فقال النبي -عليه السلام-: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سن أو ظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة".

                                                وقال النسائي: أنا محمد بن منصور، ثنا سفيان ، عن عمر بن سعيد عن أبيه، عن عباية عن رفاعة عن رافع بن خديج أن رسول الله -عليه السلام- قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر".

                                                وقال ابن ماجه: نا محمد بن عبد الله بن نمير نا عمر بن عبيد الله الطنافسي ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة ، عن جده رافع بن خديج قال: "كنا مع رسول الله -عليه السلام- في سفر فقلت: يا رسول الله إنا نكون في المغازي فلا يكون معنا مدى قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر، فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة".

                                                وهذا الحديث صحيح مثل ما ذكرنا ولهذا أخرجه الشيخان ولكن في سنده اختلاف، ففي رواية الطحاوي والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه: عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج، وفي رواية الترمذي وأبي داود: عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج .

                                                [ ص: 16 ] وقال الترمذي: نا محمد بن بشار قال: أنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان الثوري قال: نا أبي، عن عباية بن رفاعة ، عن رافع بن خديج عن النبي -عليه السلام- نحوه ولم يذكر فيه: "عباية عن أبيه" وهذا أصح، وعباية قد سمع من رافع، والله أعلم.

                                                قوله: "إنا لاقو العدو" أصله لاقون العدو، فسقطت النون للإضافة.

                                                قوله: "مدى": على وزن فعل -بضم الفاء وفتح العين- جمع مدية وهي السكين الكبير.

                                                قوله: "ما أنهر الدم" من الإنهار وهو الإسالة والصب بكثرة، شبه جروح الدم من موضع الذبح بجري الماء في النهر.

                                                قوله: "ليس السن والظفر" استثناء والمعنى إلا السن والظفر فلا تأكل ما يذبح بهما.

                                                قوله: "وسأخبرك" من كلام النبي -عليه السلام-، وفي رواية مسلم: "قال رافع: وسأحدثكم عن ذلك" فهذا من كلام رافع بن خديج يحكي كما سمعه عن النبي -عليه السلام- من قوله: "وسأخبرك" فافهم.

                                                قوله: "أعجل أو أرن" في رواية مسلم هذه اللفظة قد اختلف في صيغتها ومعناها، فقال الخطابي: هذا حرف طال ما استثبت فيه الرواة وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عن واحد منهم شيئا يقطع بصحته، وقد طلبت له مخرجا فرأيته يتجه لوجوه:

                                                أحدها: أن يكون من قولهم أران القوم مرينون إذا هلكت مواشيهم، فيكون معناها أهلكها ذبحا وأزهق نفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر على ما رواه أبو داود في "السنن" بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون.

                                                [ ص: 17 ] الثاني: أن يكون أئرن بوزن أعرن من أرن يأرن إذا نشط وخف، يقول: خف واعجل لئلا تقتلها خنقا، وذلك أن غير الحديد لا يمور في المذكاة موره.

                                                الثالث: أن يكون بمعنى أدم الحز ولا تفتر من قولك رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته، أو يكون أراد: أدم النظر إليه أو راعه ببصرك لئلا يزل عن المذبح وتكون الكلمة بكسر الهمزة والنون وسكون الراء بوزن إرم.

                                                وقال الزمخشري: كل من علاك وغلبك فقد ران بك، ورين بفلان: ذهب به الموت، وأران القوم إذا رين بمواشيهم أي هلكت، وصاروا ذوي رين في مواشيهم بمعنى أرن أي صر ذا رين في ذبيحتك، ويجوز أن يكون أران تعدته ران أي أزهق نفسها .

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: كل شيء فيه إنهار الدم يجوز الذبح به غير السن والظفر.

                                                الثاني: فيه أن التسمية عند الذبح شرط.

                                                الثالث: قال الخطابي: فيه دلالة على أن العظم كالسن في الحكم؛ لأنه لما علل السن بأنه عظم؛ فكل عظم يجب أن تكون الذكاة به محرمة، وإلى ذلك ذهب الأكثرون.

                                                وقال ابن حزم: واحتج الشافعي وأصحابنا بقول النبي -عليه السلام-: "فإنه عظم" فجعلوا العظمية علة للمنع من التذكية حيث كان العظم أي عظم كان وهذا خطأ؛ لأنه تعد لحدود الله تعالى وحد رسوله -عليه السلام-؛ لأن النبي -عليه السلام- لو أراد ذلك لما عجز أن يقول: ليس العظم والظفر، وهو -عليه السلام- قد أوتي جوامع الكلم وأمر بالبيان، فلو أنه -عليه السلام- أراد تحريم الذكاة بالعظم لما ترك أن يقوله.

                                                قلت: هذا كلام واه يظهر بالتأمل.




                                                الخدمات العلمية