الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6939 6940 ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما لم يكن له من ذلك روح فلا بأس بتصويره، وما كان له روح فهو المنهي عن تصويره، واحتجوا في ذلك بما روي عن ابن عباس :

                                                حدثنا بكار، قال: ثنا عبد الله بن حمران ، قال: ثنا عوف بن أبي جميلة ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال: " كنت عند ابن عباس، إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس ، إنما معيشتي من صنعة يدي، وأنا أصبغ هذه التصاوير، فقال ابن عباس : : لا أحدثك إلا ما سمعت [من] رسول الله -عليه السلام- يقول: من [صور] صورة فإن الله معذبه عليها يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ أبدا، قال: فربا الرجل ربوة شديدة وأصفر وجهه. فقال: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بالشجر وكل شيء ليس فيه الروح".

                                                [ ص: 474 ] حدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان ، عن عوف. . ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                وقد دل على صحة ما قال ابن عباس: من هذا: قول رسول الله -عليه السلام-: "فإن الله يعذبه عليها حتى ينفخ فيها الروح".

                                                فدل ذلك على أن ما نهي من تصويره هو ما يكون فيه الروح.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وهم الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث؛ فإنهم قالوا: كل صورة لا تشبه صور الحيوان كصور الشجر والحجر والجبل ونحو ذلك فلا بأس بها، وقد دل على ذلك قول ابن عباس في حديثه: "فعليك بالشجر وكل شيء ليس فيه الروح" فإن ابن عباس استنبط قوله هذا من قوله -عليه السلام-: "فإن الله يعذبه عليها حتى ينفخ فيها الروح"، فدل هذا أن المصور قد استحق هذا العذاب، لكونه قد باشر تصوير حيوان يختص بالله تعالى، وتصوير جماد ليس في معنى ذلك؛ فلا بأس به.

                                                قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.

                                                وأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن بكار بن قتيبة ، عن عبد الله بن حمران البصري من رجال مسلم عن عوف بن أبي جميلة العبدي البصري الأعرابي عن سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري . . . . إلى آخره.

                                                وأخرجه مسلم قال: قرأت على نصر بن علي الجهضمي ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: نا يحيى بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي الحسن قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني، فدنى، ثم قال: ادن مني، فدنى منه حتى وضع يده على رأسه، قال: أفتيك بما [ ص: 475 ] سمعت من رسول الله -عليه السلام-: سمعت رسول الله -عليه السلام- يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسا، فيعذبه في جهنم، وقال: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له" ، فأقر به نصر بن علي .

                                                قوله: "فربا الرجل ربوة" والربوة هي التهيج وتواتر النفس كالذي يعرض للمسرع في مشيه وحركته.

                                                قوله: "ويحك" كلمة ترحم كما أن كلمة ويلك كلمة عذاب.

                                                الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت ، عن قبيصة بن عقبة السوائي شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن عوف الأعرابي . . . . إلى آخره.




                                                الخدمات العلمية