الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
10594 4746 - (10977) - (2\540 - 541 ) عن أبي نضرة، عن رجل، من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا أشد تشميرا، ولا أقوم على ضيف منه، فبينما أنا عنده، وهو على سرير له، وأسفل منه جارية له سوداء، ومعه كيس فيه حصى ونوى، يقول: " سبحان الله سبحان الله "، حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها، فجمعته فجعلته في الكيس، ثم دفعته إليه فقال لي: ألا أحدثك عني، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى.

قال: فإني بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: " من أحس الفتى الدوسي، من أحس الفتى الدوسي؟ " فقال له قائل: هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله، فجاء فوضع يده علي وقال لي: معروفا، فقمت.

فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه، ومعه يومئذ صفان من رجال، وصف من نساء - أو صفان من نساء، وصف من رجال - فأقبل عليهم فقال: " إن نساني الشيطان شيئا من صلاتي فليسبح القوم، وليصفق النساء".

فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينس من صلاته شيئا، فلما سلم أقبل عليهم

[ ص: 322 ]

بوجهه، فقال: " مجالسكم، هل فيكم رجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا، وفعلت بأهلي كذا؟ " فسكتوا فأقبل على النساء فقال: " هل منكن من تحدث؟ "، فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها، وتطالت ليراها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع كلامها، فقالت: إي والله إنهم ليحدثون، وإنهن ليحدثن، قال: " هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة، قضى حاجته منها والناس ينظرون إليه "، ثم قال: " ألا لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا إلى ولد أو والد " قال: وذكر ثالثة فنسيتها " ألا إن طيب الرجال ما وجد ريحه، ولم يظهر لونه، ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يوجد ريحه ".


التالي السابق


* قوله : "أشد تشميرا"؛ أي: أكثر اجتهادا في العبادة.

* "ومعه كيس فيه حصا ونوى": هذا يصلح أصلا لاتخاذ السبحة في اليد،

بل له ولكون السبحة تتخذ من النوى كما اعتاده أهل زماننا، والله تعالى أعلم.

* "أوعك": على بناء المفعول، والمراد: بينا أنا محموم في المسجد.

* "من أحس": من الإحساس؛ أي: أبصر.

* "إن نساني": بتشديد السين.

* "فليسبح القوم"؛ أي: الرجال.

قال السيوطي في "حاشية أبي داود": هو خاص بالرجال، وقال زهير: أقوم

آل حصن أم نساء؟ انتهى.

قلت: ومنه قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم [ الحجرات: 11] إلى قوله: ولا نساء من نساء [الحجرات: 11]، قيل: وسبب ذلك أنه من القيام، والرجال هم أهل القيام على النساء، وقد قال: الرجال قوامون على النساء [ النساء: 34]، حتى

[ ص: 323 ]

قيل: إنه جمع قائم؛ كركب جمع راكب، وسفر جمع سافر، والله تعالى أعلم. * "فتاة كعاب": في "المجمع": هو - بالفتح - : المرأة حين يبدو ثديها للنهوض، وهي الكاعب أيضا، وجمعها كواعب.

* "والناس ينظرون إليه"؛ أي: إظهار ما جرى سرا كإعلانه.

* "ألا لا يفضين": من الإفضاء بمعنى: الوصول، قالوا: هو نهي تحريم إذا

لم يكن بينهما حائل؛ بأن يكونا متجردين، وإن كان بينهما حائل، فتنزيه.

* "ألا إن طيب الرجل. . . إلخ"؛ أي: ينبغي للرجال الاحتراز عن الزينة، وينبغي للنساء الاحتراز عن الرائحة؛ لئلا تثير شهوة الرجال، لكن هذا مخصوص بما إذا كانت خارجة من البيت، وإلا فعند الزوج لها أن تستعمل ما شاءت، والله تعالى أعلم.

* * *




الخدمات العلمية